فهرس الكتاب

الصفحة 1729 من 3562

وذكر ابن الجوزي في كتابه السر المصون: أن الأولى أن يدّخر لحاجة تعرض ، وأنه قد يتفق له مرفق فيخرج ما في يده فينقطع مرفقه فيلاقي من الضرر ومن الذل ما يكون الموت دونه . فلا ينبغي لعاقل أن يعمل بمقتضى الحال الحاضرة ، بل يصور كل ما يجوز وقوعه ، وأكثر الناس لا ينظرون في العواقب .

وقد تزهد خلق كثير فأخرجوا ما بأيديهم ثم احتاجوا فدخلوا في مكروهات ، والحازم من يحفظ ما في يده ، والإمساك في حق الكريم جهاد ، كما أن إخراج ما في يد البخيل جهاد ، والحاجة تخرج إلى كل محنة .

قال بشر الحافي: لو أن لي دجاجة أعولها خفت أن أكون عشّارًا على الجسر .

وقال الثوري: من كان بيده مال فليجعله في قرن ثور ، فإنه زمان من احتاج فيه كان أول ما يبذل [1] دينه .

قال ابن الجوزي: وبعدُ ، فإذا صدقت نية العبد وقصده رزقه الله وحفظه من الذل ، ودخل في قوله: { ومن يتق الله يجعل له . . . الآية } [ الطلاق: 2 ] .

وأما كون من تصدق بما ينقص مؤنته ومؤنة من تلزمه مؤنته يأثم ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت ) ) [2] رواه أبو داود .

ولأن نفقة من تلزمه مؤونته واجبة ، فإذا تركها أو نقصها أثم كسائر الواجبات .

وروى أبو هريرة قال: (( أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة ، فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار . فقال: تصدق به على نفسك . فقال: عندي آخر . قال: تصدق به على ولدك . قال: عندي آخر . قال: تصدق به على زوجتك . قال: عندي آخر قال: تصدق به على خادمك . قال: عندي آخر . قال: أنت أبصر ) ) [3] رواه أبو داود أيضًا .

فإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل ؛ لقوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } [ الحشر: 9 ] .

(1) ... في الأصل: يبدل . وانظر الفروع 2/650 .

(2) ... أخرجه أبو داود في الزكاة ، باب في صلة الرحم 2/132ح1692 .

(3) ... أخرجه أبو داود في الموضع السابق ( 1691 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت