وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر ) ) [1] .
وكذا يأثم لو أضر بنفسه كما ذكره المصنف أو بغريمه أو بكفالته ، قاله علماؤنا .
فائدة: قال في الفروع: ظاهر كلام جماعة من الأصحاب: إذا لم يضر فالأصل الاستحباب ، وجزم في الرعاية الكبرى بما ذكره بعض الأصحاب: أنه يكره التصدق قبل الوفاء والإنفاق الواجب .
وأما كون من علم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة يجوز له التصدق بجميع ماله ؛ (( فلأن أبا بكر رضي الله عنه تصدق بجميع ماله ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لعيالك ؟ فقال: الله ورسوله ) ) [2] .
وحقيقة التوكل عدم الطمع في شيء يأتيه ويكون واثقًا بضمان الله في رزقه .
وأما كون من لم يثق من نفسه لا يجوز له ذلك ؛ فلما روى جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: (( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك فأعرض عنه ، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها ، فلو أصابته لعقرته أو لأوجعته ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس ، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) ) [3] .
فقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على المعنى الذي كره الصدقة بجميع ماله ، وهو أن يستكف الناس -أي يتعرض للصدقة- فيأخذها ببطن كفه . يقال: تكفف واستكف إذا فعل ذلك .
ولأن الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه ، فيندم ، فيذهب ماله ، ويبطل أجره ، ويصير كَلاًّ على الناس .
وهذا المذهب وعليه علماؤنا . قال أبو الخطاب وغيره: فيمنع من ذلك ويحجر عليه . وقال الموفق وغيره: يكره ذلك .
ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفسه من الكفاية التامة ، وهذا بلا نزاع .
زاد في الفروع وغيره: وكذا من لا عادة له بالضيق .
(1) ... أخرجه أبو داود في الوتر 2/69ح1449 . وأحمد 3/412ح15438 .
(2) ... أخرجه أبو داود في الزكاة ، باب في الرخصة في ذلك 2/129ح1678 . والترمذي في المناقب ، باب في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما 5/614ح3675 .
(3) ... أخرجه أبو داود في الزكاة ، باب الرجل يخرج من ماله 2/128ح1673 .