رأيت الليلة ، كما في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الرؤيا: (( رأيت الليلة ) ) [1] ، وبعد الزوال يقال: رأيت البارحة . قاله ثعلب وغيره . قالوا: وهي مشتقة من برح إذا زال .
وفي الصحيحين عن سمرة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الصبح قال: هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا ) ) [2] . فيكون مراد ثعلب وغيره الحقيقة وإلا فالمنع مطلقًا باطل ، وبعض العوام يحذف الهاء من البارحة ، واللغة إثباتها .
قال: ( وإن رآه أهل بلد صام كل الناس ) .
ش: يعني: يلزم جميع البلاد الصوم ، وبهذا قال الليث بن سعد وأبو حنيفة ومالك والشافعي فيما حكاه ابن المنذر والخطابي وابن عبد البر ، واختاره أبو الطيب من الشافعية ، وذكر ابن عبد البر أن هذا رواية ابن القاسم والمصريين عن مالك قال: وروى المدنيون [3] عن مالك وهو قول المغيرة وابن دينار وابن الماجشون: أن الرؤية لا تلزم غير أهل البلد الذي وقعت فيه إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك .
وأما مع اختلاف الأعمال والسلاطين فلا ، إلا في البلد الذي رؤي فيه الهلال ، وفي عمله . هذا معنى قولهم .
وقال عكرمة والقاسم بن محمد وسالم بن عبدالله وابن المبارك وإسحاق: لكل بلد رؤيتهم ، وهو قول أكثر الشافعية إذا تباعد البلدان . ثم اختلفوا في ذلك ، فضبطه بعضهم بمسافة القصر .
وقال بعضهم: إذا كان بينهما مسافة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة لزم أحدهما رؤية الآخر ، وإن كان بُعدًا كثيرًا ؛ كالحجاز والعراق والشام لم يلزم رؤية أحدهما أهل الآخر . واحتجوا لأصل مذهبهم بما روى كريب (( أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها ، واستُهِلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام ، فرأيت الهلال يوم الجمعة ، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبدالله بن عباس ،
(1) ... أخرجه البخاري في الجهاد ، باب درجات المجاهدين في سبيل الله 3/1028ح2638 .
(2) ... أخرجه مسلم في الرؤيا ، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم 4/1781ح2275 .
(3) ... في الأصل: المدينون .