وأما استعماله في المائع ؛ فقال كثير من علمائنا: لا ينتفع بها رواية واحدة .
قال ابن عقيل: ولو لم ينجس الماء ؛ بأن كانت تسع قلتين ، قال: لأنها نجسة العين أشبهت جلد الخنزير .
وجوز أبو العباس في فتاويه الانتفاع بها في ذلك إن لم ينجس الماء .
فروع:
الأول: فإن جاز أبيح الدبغ ، وإلا احتمل التحريم واحتمل الإباحة ؛ كغسل نجاسة بمائع وماء مستعمل وإن لم يطهر كذا قال القاضي . وكلام غيره خلافه ، وهو أظهر .
الثاني: جلود السباع ، قال القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل الدباغ ولا بعده .
الثالث: ويفتقر ما يدبغ به إلى أن يكون منشفًا للرطوبة منقيًا للخبث ؛ كالشمس والقرظ . قال ابن عقيل: يشترط أن يكون طاهرًا ؛ لأنها طهارة من نجاسة فلم تطهر بنجس كالاستجمار ، وهل يطهر الجلد بمجرد الدبغ قبل غسله بالماء ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحصل ؛ لقول النبي صلي الله عليه وسلم: (( يطهرها الماء والقرظ ) ) [1] رواه أبو داود .
ولأن ما يدبغ به نجس بملاقاة الجلد ، فإذا اندبغ الجلد بقيت الآلة نجسة ، فتبقى نجاسة الجلد لملاقاتها له ، فلا تزول إلا بالغسل .
والثاني: يطهر ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) ) [2] . ولا طُهر بانقلابه ، فلم يفتقر إلى استعمال الماء ؛ كالخمرة إذا انقلبت ، وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (( طهور كل أديم دباغه ) ) [3] .
قال صاحب المغني: والأول أولى ؛ فإن المعنى والخبر إنما يدلان على طهارة عينه ، وذلك لا يمنع من وجوب غسله من نجاسة تلاقيه ؛ كما لو أصابته نجاسة سوى آلة الدبغ ، أو أصابته آلة الدبغ بعد فصله عنها .
الرابع: ولا يفتقر الدبغ إلى فعل ؛ فلو وقع جلد في مدبغة فاندبغ طهر ؛ لأنها إزالة
(1) ... أخرجه أبو داود في اللباس ، باب في أهب الميتة 4/66ح4126 .
(2) ... سبق تخريجه ص: 176 .
(3) ... أخرجه الدارقطني 1/49ح 27 . وقال: إسناده حسن .