المسألة الثانية: أن كل صوم واجب لا يصح إلا بنية من الليل قبل الفجر ، وبهذا قال مالك والشافعي .
وقال أبو حنيفة وصاحباه: يجزئ صوم رمضان والنذر المعين بنية قبل الزوال دون غيرهما ، وذلك لأنه صوم غير ثابت في الذمة فجاز بنية قبل الزوال كالنفل وكالمنذور بعد الفجر .
ويدل عليه صوم يوم عاشوراء ، فإن صومه كان واجبًا وقد أمر به في أثناء اليوم فروى سلمة بن الأكوع قال: (( أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من أسلم أن أذِّنْ في الناس: أنَّ من أكل فليصم بقية يومه ، ومن لم يكن أكل فليصم ، فإن اليوم يوم عاشوراء ) ) [1] متفق عليه .
ولنا: ما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من لم يبيّت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له ) ) [2] رواه الدارقطني بإسناده وقال: كلهم ثقات .
وعن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من لم يُجْمِعِ الصيام قبل الفجر فلا صيام له ) ) [3] رواه الخمسة ، إلا أن لفظ النسائي: (( من لم يبيت ) )، ولفظ ابن ماجة: (( لا صِيامَ لمن لم يَفْرِضْه من الليل ) ).
ولأنه صوم يوم واجب فلم يصح بنية من النهار كالقضاء .
ولأن الصوم عبادة فلا تتأخر النية عن ابتدائها كالحج والصلاة .
وقياسهم يبطل بصوم كفارة الظهار ، فإنهم وافقوا فيه مع كونه لا يثبت في الذمة عندهم بحال ، ثم الثابت في الذمة وغير الثابت سواء في محل النية بدليل أداء الصلاة وقضائها .
وقياسهم على النفل: لا يصح ، لأن الشارع يسامح فيه بأشياء لم يتسامح بها في
(1) ... أخرجه البخاري في الصوم ، باب صيام يوم عاشوراء 2/705ح1903 . ومسلم في الصيام ، باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه 2/798ح1135 .
(2) ... أخرجه الدارقطني في الصيام 2/172ح3 .
(3) ... أخرجه أبو داود في الصوم ، باب النية في الصيام 2/329ح2454 . والترمذي في الصوم ، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل 3/108ح730 . والنسائي في الصيام ، ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك 4/196ح2332 . وابن ماجة في الصيام ، باب ما جاء في فرض الصوم من الليل والخيار في الصوم 1/542ح1700 . وأحمد 6/287ح26500 .