وتأول القاضي أبو يعلى هذه الرواية ، على أنه استصحب النية إلى جزء من الليل ، وهو تأويل فاسد يرده قوله فيها: ولم ينوه من الليل .
وقال ابن عقيل: نحمل هذا من قوله على الرواية التي توافق مذهب مالك في النية للشهر من أوله ، وهذا ليس بصحيح أيضًا ؛ لأن ابن منصور قد نقلها في قضاء رمضان صريحًا ولا خلاف أن القضاء يحتاج كل يوم منه إلى نية ، وقد أقرها القاضي أبو الحسين على مقتضاها ، ووجها أنه لم يتخلل النية ويومها يوم آخر فأشبه ما لو نوى له من ليلته ، وحكى المسألة على روايتين .
ولنا: على الأولى قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ) ) [1] .
ولأنه قدم النية على ليلة يوم الصوم فلا تصح كما لو نوى من الليل صوم بعد غد .
ولأن تقدمة النية إنما جازت على خلاف الأصل لدفع مشقة المقارنة هنا ، وقد اندفعت المشقة بشرعها في جميع الليل ، فلا يجوز زيادة لا يحتاج إليها كما لم يجز تقدمة نية الصلاة عليها بالزمن الكثير .
المسألة الخامسة: أن كل يوم يحتاج إلى نية مفردة ، وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه والشافعي .
وقال مالك: تجزئه نية واحدة لجميع رمضان كروايتنا الثانية ، وكذلك عند مالك كل صوم متصل كصوم الظهار وكفارة القتل والمنذور المتتابع ، وكذلك قال من كان شأنه صيام يوم من الأيام لا يدعه فإنه لا يحتاج إلى التبييت لما قد أجمع عليه من ذلك ، وذلك لما روي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أهلّ رمضان قال: (( قد دخل عليكم هذا الشهر المبارك فقدموا فيه النية ) ) [2] .
قال القاضي: رواه الرفاعي بإسناده .
وظاهر هذا تقديمها لجميعه .
ولأنه صوم رمضان لا يتخلله زمان آخر فأجزأت له نية واحدة كاليوم الواحد .
(1) ... سبق تخريجه ص: 378 .
(2) ... ذكره المتقي الهندي في فضل صوم شهر رمضان ، الإكمال 8/466ح23690 .