ماله وهو بعيد ، وقد يقال: هو شبه عمد ، قاله الموفق .
ولعلمائنا طريقة ثالثة وهي: إن قلنا لا ينعزل لم يضمن الوكيل . وهل يضمن العامي؟ على وجهين ؛ بناء على صحة عفوه ، وترددًا بين تغريره وإحسانه . وإن قلنا ينعزل لزمته الدية ، وهل تكون في ماله أو على عاقلته؟ فيه وجهان ، وهي طريقة أبي الخطاب وصاحب الترغيب ، وزاد: وإذا قلنا في ماله فهل يرجع بها على الموكل؟ على وجهين . وهو قول مالك ، إلا القصاص وحدّ القذف عند بعض علمائنا لا يجوز في غيبته ، وقد أومأ إليه الإمام أحمد .
وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية ، لأنه محتمل أن يعفو الموكل في حال غيبته فيسقط ، وهذه شبهة تمنع الاستيفاء ؛ لأن العفو مندوب ، فإذا حضر احتمل أن يرحمه فيعفو .
فعلى المذهب [ له الاستيفاء في الغيبة مطلقًا ] [1] .
أما الزنا وشبهه فظاهر ، لأنه لا يحتمل العفو حتى يدرأ بالشبهة ، واحتمال العفو في غيره بعيد ؛ لأن الظاهر أنه لو عفا لأعلم وكيله به ، والأصل عدمه فلا يؤثر .
ألا ترى أن قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحكمون في البلاد ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات مع احتمال النسخ .
وأما قول المصنف: (( ورضى الغريم وعكسهما ) )، وجملة ذلك: يجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها ، حاضرًا كان الموكل أو غائبًا ، صحيحًا أو مريضًا . وبه قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد .
وقال أبو حنيفة: للخصم أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرًا ، لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق لخصمه عليه ، فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضاء خصمه كالدين عليه .
ولنا: أنه حق تجوز النيابة فيه ، فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضى خصمه كحالة غيبته ومرضه ، وكدفع المال الذي عليه .
(1) زيادة من المبدع 4/359 .