ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم . فـ (( إن عليًا رضي الله عنه وكّل عقيلًا عند أبي بكر رضي الله عنه ، وقال: ما قُضي له فلي ، وما قُضي عليه فعلىّ ) ). و (( وكّل عبدالله بن جعفر عند عثمان رضي الله عنه ، وقال: إن للخصومة قُحَمًا وإن السلطان يحضرها وإني لأكره أن أحضرها . قال أبو زياد: القُحَم: المهالك ) ) [1] .
وهذه قصص اشتهرت ؛ لأنها في مظنة الشهرة فلم ينقل إنكارها .
ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإنه قد يكون له حق أو يُدعى عليه ولا يحسن الخصومة ، أو لا يحب أن يتولاها بنفسه ، ويجوز التوكيل في إثبات القصاص ، وحدّ القذف واستيفائهما ؛ لأنهما من حقوق الآدميين ، وتدعو الحاجة إلى التوكيل فيهما ، لأن من له الحق قد لا يحسن الاستيفاء ولا يحب أن يتولاهما .
قال: ( وليس للوكيل أن يوكل فيما يباشر مثله إلا بإذن ، وله في العكس وما يشق لكثرته ، وكذا الوصي والحاكم ) .
ش: أما كون الوكيل ليس له التوكيل فيما يباشر مثله بنفسه إلى آخره ؛ فلأنه لم يأذن له في التوكيل ، ولا تضمنه إذنه لكونه يباشر مثله .
وجملة ذلك: أن التوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن ينهى الموكل عن التوكيل فلا يجوز له ذلك بغير خلاف ، لأن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه فلم يجز كما لو لم يوكله .
الثاني: أن يأذن له في التوكيل فيجوز له ، لأنه عقد أذن فيه فكان له فعله كالتصرف المأذون فيه ولا نعلم في هذا خلافًا . فإن قال: وكلتك فاصنع ما شئت ، فله أن يوكل ، وقال أصحاب الشافعي: ليس له التوكيل في أحد الوجهين ؛ لأن التوكيل يقتضي تصرفًا يتولاه بنفسه فقوله: اصنع ما شئت يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه .
ولنا: أن لفظه عام فيما شاء فيه فيدخل في عمومه التوكيل .
الثالث: أطلق له الوكالة فلا يخلو من أقسام ثلاثة:
(1) ... أخرجه البيهقي في الوكالة ، باب التوكيل في الخصومات مع الحضور والغيبة 6/81 .