الأصل في الإنسان الحرية وأنه ينعقد حرًا ، وللشرع داعية إلى حريته لكونه متعلق الطاعات والعبادات التي هي حق الشرع ، ولأجلها خلق الله عز وجل الخلق {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [ الذاريات: 56 ] ، فلما كان الأمر هكذا جعل اعتقاد الواطئ ونحوه من الأمور المناسبة شبهة يدرأ بها الرق ، ويُرد بها الإنسان إلى أصله في الحرية ، كما أنه لما كان للشرع تشوف إلى ستر الخلق ونقاء نفوسهم درأ الحدود بالشبهات ، ولما كان له تشوف إلى الإسلام رد الإنسان إليه ما ليس شبهة كاقتطاع الطفل عن أبويه بإسلام أحدهما أو موته أو سبي السابئ ونحو ذلك .
إذا عرف هذا وثبتت حرية أولاده فإنه يفديهم بعوض يدفعه إلى مالك الأمة ، لأنه فوت عليه ماليتهم باعتقاده حريتهم ، إذ لولا اعتقاد الواطئ ذلك لانعقدوا أرقاء لمالك أمهم ؛ لأنهم نماء ملكه ، ونتيجة ماله كما في وطء الغاصب والزاني ، وإذا كان الواطئ هو الذي فوَّت ملكهم على سيد الأمة وجب عليه تعويضه عنهم ضمان إتلاف ، لأنه أتلف عليه ماليتهم ، أو ضمان حلوله ؛ لأنه حال باعتقاد حريتهم بينه وبين رقهم ، ثم فيما يفديهم به روايات:
الأولى: يفديهم بقيمتهم يوم وضعهم يعني تقدير كونهم رقيقًا ، لأنهم ليسوا من ذوات الأمثال فكان ضمانهم بالقيمة كسائر المتقومات ، وهو المذهب . اختاره الموفق والشارح وصاحب التلخيص وابن منجى في شرحه وابن الزاغوني .
قال القاضي في المجرد: وهو أشبه بقوله ؛ لأنه نص على أن [1] الحيوان لا مثل له [2] ، وهو مذهب الأئمة الثلاثة وجزم به غير واحد ، وقدمه في الفروع وغيره .
الثانية: يفديهم بمثلهم ، والمراد مثلهم في القيمة ، إذ الحيوان ليس مثليًا في نفسه ، فيقال: لو كان الغلام من ولد الجارية عبدًا لكانت قيمته مائة فيفدى بعبد قيمته مائة . وإنما قلنا يفدى بمثله ، لأن المثل أضبط الأبدال ، وإنما قلنا بمثله في القيمة لما ذكرنا من تعذر المثل في الحقيقة .
ولأن القيمة بدل الحقيقة فإذا تعذرت الحقيقة صرنا إلى بدلها وهي القيمة كما نصير
(1) ... زيادة من الإنصاف 6/172 .
(2) ... مثل السابق .