تراد للصلاة ، فلم تحصل بغير الماء كطهارة الحدث . وسر المسألة: أن الله تعالى لما خص الإنسان من بين الحيوان بوظائف التكاليف منها: الطهارة عند مخامرة النجاسة ، وعند إرادة الصلاة ليقف بين يدي الله سبحانه وتعالى على أكمل حال من طهارة البدن والثوب: لم يكن بد من أن يكون له آلة يتوصل بها إلى حصول الطهارة ، فأنزل الله تعالى ما يطهر من الحدث والنجاسة ، ونبه على ذلك بقوله سبحانه: { وينزل عليكم من [1] السماء ماء ليطهركم به } [ الأنفال:11 ] ، وقال: { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } [ الفرقان:48 ] . خص الماء بالذكر في التطهير ، فلم يجز أن يلحق به شيء من المائعات لفائدة التخصيص .
وهذا الاختصاص إن لم يكن معقولًا في نفسه ؛ وجب الاقتصار عليه ضرورة ولم يتعد إلى غيره ؛ لأن الشرع إذا ورد بما لا يعقل معناه يجب العمل به على عدم معقوليتة تعبدًا امتثالًا لأوامر الشرع ، وإن كان معقولًا في نفسه -وهو الذي ينبغي أن يعتمد عليه الناظر ويعتقد صحته- فيجب الاقتصار أيضًا عليه ؛ إذ سبب ذكره واختصاصه من بين سائر المائعات ما دام به من الرقة واللطافة التي لا تشاركه فيها غيره . ولهذا المعنى اختص برفع الحدث . وهذا الاختصاص أيضًا أمر معقول أشارت إليه العقول السليمة قبل ورود الشرع ، وجعلوه المزيل للأوساخ والأدران ، فلو ورد الشرع بمشاركة غير الماء للماء في هذه الخاصية من الألبان والأدهان والمرق والخل والمري [2] وماء الأشجار والبقول والفواكه وما في معناها ؛ لكان ذلك كالمستنكر ، فإن كل ذلك لا ينفك عن لزوجة تمازجها تنفر الطبائع السليمة عن مخامرتها ، فكيف يتنظف بها ؟! فإن ذلك مما يزيد المغتسل بها زفورة ولزوجة ، لا تنظيفًا وتطهيرًا . حتى أن ماء الورد مع كونه ألطف هذه المائعات وأرقها ، لولا طيب قام به لكانت النفوس تنفر منه أيضًا ، ولا تفرق بينه وبين ماء البقول في ابتغاء التنظف به لما يمازجه من أجزاء جرم الورد . ونشاهد ذلك فيه
(1) ... في الأصل: وأنزل من .
(2) ... في هامش الأصل: قال أبو الدرداء في المُرْيِ: ذَبَحَ الخَمْرَ النِّينَانُ والشمس. رواه البخاري . قال أبو ذر: إذا طرحت النِّينَانُ في الخمر ذبحته وحركته فصار مرقًا . وكذلك إذا ترك للشمس . وهذا يسميه العراقيون: الصحنا يتأدم به.