فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 417

هذا الحديث جليل القدر عظيم الفائدة، فهو يدعو المسلم للخروج من هوى النّفس، وتضارب الآراء، وخاصّة في هذا الزّمان الذي خاض فيه النّاس بآرائهم، ورموا أفكارهم أمام أتباعهم ليقتاتوا منها، ظانّين أنّ ما يقولونه صوابًا وحقّا، وظنّ من لا خبرة له بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يطّلع عليها حقّ الإطّلاع والمعرفة أن المرء في هذا الزّمان بحاجة إلى جهد عقليّ شاقّ لاكتشاف الحقّ من بين المطروح على السّاحة الإسلامية من أفكار وأحزاب وتجمّعات، فهو متردّد ومتحيّر، وخاصّة أنّ العارضين أفكارهم يملكون سحر البيان، ويتفنّنون في تزيين أفكارهم ومناهجهم، ولكن هل فكّر هذا المتحيّر والمتردّد أن يعود إلى السنّة النبويّة الصّحيحة فيأخذ منها زاده؟ أو ليعرف منها الحقّ والهدى؟ هذا هو الواجب الشّرعيّ.

وهذا الذي نقوله ليس قولًا من الأقوال أو هو يحتمل قول المخالف، لا والله بل غيره هوىً وظنّ.

ونحن قد تكلّمنا عن وجوب دخول المرء في جماعة وحزب، وهذه ضرورة شرعيّة وعقليّة، وقد يسأل المرء الآن ما هي صفات الجماعة والحزب الّذي يملك الحقّ، وهو الذي يجب على المسلم أن ينتسب إليه ويدخل تحت لوائه؟:

الجماعة المطلوبة والحزب الشّرعيّ لا بدّ أن يكون حاملًا لمواصفات الطّائفة المنصورة الّتي مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تكون جماعة حقّ وحزب هدى، وكلّ ما اقتربت الجماعة من هذه الصّفات كان وجوب طاعتها ألزم وأوجب، وكلّما كان الانتماء إليها أصوب وأهدى، والطّائفة المنصورة التي مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث لم يتركها صلى الله عليه وسلم هملًا من غير بيان وشرح، بل كشفها بأشدّ بيان وأفضل تفصيل، فما هي صفات الطّائفة المنصورة من نصّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

هذا الحديث المتقدّم يكشف لك صفتين من صفات الطّائفة المنصورة، ويجلّيهما لك أجلى بيان وأوضحه.

(1) الصّفة الأولى: لو أمعنت النّظر في الحديث المتقدّم - حديث سلمة رضي الله عنه - لرأيت سبب ورود الحديث هو أنّ جماعة أعلنوا توقّف الجهاد، فأذالوا الخيل (أي تركوها من غير عناية ولا تدريب) ووضعوا السّلاح وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها. فسبب ورود الحديث هو إعلان توقّف القتال، وجاء الرّد حاسمًا وقاطعًا لا يحتمل تأويلًا، فقد ردّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( كذبوا، الآن جاء دور القتال ) )، إذ القتال لم يتوقّف، وليس هناك سبب موجب لتوقّفه، أو إعلان انتهائه، وكيف ينتهي، وفي الأرض أقوام زاغت قلوبهم؟.

ثمّ مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم أقوامًا أوفياء للقتال، ولم يذيلوا الخيل، ولم يضعوا السّلاح بل هم مقاتلون دومًا ومحاربون في كلّ حين: (( ولا يزال من أمّتي أمّة يقاتلون على الحقّ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت