فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى . ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون . وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم . حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم . . حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم . .
ثم تكررت القصة . .
وهكذا . .
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه . فقال:
(يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . .
وقال كل رسول لقومه: إني لكم ناصح أمين، معبرًا عن ثقل التبعة؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه . .
وفي كل مرة وقف"الملأ"من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين . وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت . .
ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة . وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها . وإذا"القوم"الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة ! . .
وعندئذ يجيء الفتح . .
ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين . .
وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده . وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم . وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم . .
وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ .
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد:
هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر . ولم يذكر القرآن إلا قليلًا من التفصيلات بعد هذه القاعدة الأساسية المشتركة في الرسالات جميعًا . ذلك أن كل تفصيل - بعد قاعدة العقيدة - في الدين، إنما يرجع إلى هذه القاعدة ولا يخرج عنها . وأهمية هذه