أيها المجاهدون:
إني لا أخاف عليكم كثرة عدوكم، ولا عظم أسلحتهم، ولا تحزب قوى الشر واجتماعها عليكم، ولا خذلان إخوانكم المسلمين في بقاع الأرض، ولكني أخاف عليكم من أنفسكم؛ أخاف أن يصيبكم الوهن والضعف والفشل وكثرة المعاصي.
ولكم فيما حصل يوم أحد موعظة وذكرى، قال تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ماأراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} .
قال ابن كثير: (كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة، وفشل بعض المقاتلة؛ تأخر الموعد الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة) انتهى كلامه رحمه الله.
لقد حدث في هذه الغزوة مواقف عجيبة، منها؛ أن العدو كان أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، فنصر الله المسلمين في أول النهار؛ فلما عصوا أدار عليهم الدائرة آخره.
قال جابر رضي الله عنه: (لقد تفرق الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار وطلحة) .
وفي حديث أنس رضي الله عنه قال: (فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال - يعني أنس بن النضر - اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -) .
وجلس أبو الدرداء يبكي بعد فتح جزيرة قبرص لمّا رأى بكاء أهلها وفرقهم، فقيل: (ما يبيكيك يا أبا الدرداء في يوم أعزالله به الإسلام ؟!) ، فقال: (ويحكم ما أهون الخلق على الله إن هم تركوا أمره، بينما هم أمة كانت ظاهرة قاهرة، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترون) .
أيها المجاهدون:
قد يتأخرنصر الله، وقد تكون هزائم وجراحات في صفوفكم، وليس هذا بغريب، إذ تلك سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.
قال هرقل لأبي سفيان: (سألتك كيف كان قتالكم إياه - يعني رسوال الله صلى الله عليه وسلم - فزعمت أن الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة) .
إن أعظم ما تمتحنون به في قتالكم هو؛ الصبر واليقين.
اليقين؛ بأن الله منجزٌ وعده، وناصرٌ جنده وحزبه، ولو بعد حين.
والصبر عند الشدائد، فان النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا.
سأل رجل الشافعي، فقال: (يا أبا عبدالله، أيما أفضل للرجل: أن يُمكن أو يبتلى ؟) ، فقال الشافعي: (لا يُمكن حتى يُبتلى) .