لا أجد أفضل من أن أسوق إليكم ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على تحزب الأحزاب في غزوة الخندق.
قال رحمه الله:(وكان مختصر القصة - أي غزوة الخندق - أن المسلمين تحزب عليهم عامة المشركين الذين حولهم وجاءوا بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين فاجتمعت قريش وحلفاؤها من بني أسد وأجشع وفزارة وغيرهم من قبائل نجد واجتمعت أيضًا اليهود من قريضة والنظير، فاجتمعت هذه الأحزاب وهم بقدر المسلمين مراتٍ عديدة، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم الذرية من النساء والصبيان في آطام المدينة.
وفي هذه الحادثة - أي المعاصرة لشيخ الإسلام - تحزب العدو من مغلٍ وغيرهم من أنواع الترك، ومن فرس ومستعربة ونحوهم من أجناس المرتدة من نصارى الأرمن وغيرهم، ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين وهم بين الإقدام والإحجام، مع قلة من بإزائهم من المسلمين ومقصودهم الإستيلاء على الدار وإسطلام أهلها كما نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المسلمين وكان عام الخندق برد شديد وريح شديدة منكرة بها صرف الله الأحزاب عن المدينة كما قال تعالى: {فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها}
و هكذا هذا العام أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد على خلاف أكثر العادات حتى كره أكثر الناس ذلك، وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك فإن لله فيه حكمة ورحمة، وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله بها العدو.
وقال الله في شأن الأحزاب: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدا} ، وهكذا هذا العام جاء العدو من ناحية علو الشام، وهو شمال الفرات...) .
إلى أن قال: (وظن النَّاس بالله الظنونا؛
-هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام.
-وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن وما بقيت تكون تحت مملكة الإسلام.
-وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرا وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر.
-وهذا يظن أنهم يأخذونها ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها فلايقف قدامهم أحد فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها.
-وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات لاسيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب، ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب؛ فلذلك استولت الحيرة على من كان مستهكمًا بالاهتداء وتراجمت به الأراء تراجم الصبيان بالحصباء.