فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 417

الحصور يحي، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم... وتزهى أنت باللهو واللعب؟!

والله تعالى يبتلي بعض الخلق ببعض، ويبتلي المؤمن بالكافر، كما يبتلي الكافر بالمؤمن، وهذا النوع من الابتلاء هو قاسم مشترك بينهم جميعًا، قال تعالى: {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شي قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور} .

روى مسلم عن نبينا صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: (إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك) .

والذي علمناه من القرآن والسنة أن من الأنبياء من قتله أعداؤه ومثلوا به كيحيى، ومنهم من هم قومه بقتله ففارقهم ناجيًا بنفسه كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام، وعيسى الذي رفع إلى السماء.

ونجد من المؤمنين من يُسام سوء العذاب، وفيهم من يلقى في الأخدود، وفيهم من يستشهد، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد... فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا وقد طردوا أو قتلوا أو عُذبوا؟!

الابتلاء هو قدر الله في جميع خلقه، ولكنه يزداد ويعظم في شدته على الأخيار الذين اجتبتهم عناية الله، وخاصة المجاهدين منهم لابد لهم من مدرسة الابتلاء.. لا بد لهم من دروس التمحيص والتهذيب والتربية.

ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشى على الأرض وليس عليه خطيئة) .

وروى البيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في المعجم الكبير، وابن سعد في الطبقات، عن عبدالله بن إياس بن أبي فاطمة عن أبيه عن جده قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يصح ولا يسقم؟) ، قلنا: نحن يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مه؟!) ، وعرفناها في وجهه، فقال: (أتحبون أن تكونوا كالحمير الصيّالة؟) ، قال، قالوا: يا رسول الله لا، قال: (ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات؟) ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فوالله إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه، وإن له عنده منزلة ما يبلغها بشيء من عمله دون أن ينزل به من البلاء ما يبلغ به تلك المنزلة) .

وروى الترمذي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليودن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قرضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أهل البلاء) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت