فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 417

وعن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنه يؤتى يوم القيامة بأنعم الناس كان في الدنيا، فيقول الله عز وجل: اصبغوه في النار صبغة، ثم يؤتى به فيقول: يا ابن آدم هل أصبت نعيمًا قط؟ هل رأيت قرة عين قط؟ هل أصبت سرورًا قط؟ فيقول: لا وعزتك! ثم يقول: ردوه إلى النار. ثم يؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا، فيقول تبارك وتعالى: اصبغوه في الجنة صبغة ينصبغ فيها، ثم يؤتى يه فيقول: يا ابن آدم هل رأيت ما تكره قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت شيئا قط أكرهه) .

قال شقيق البلخي: (من يرى ثواب الشدة لا يشتهي الخروج منها) .

والله عز وجل شرع الجهاد تكملة لشرائع الدين ورفع منزلته عاليًا حتى صار في ذروة التكليف الرباني، وجعل فيه شدة وبلاء تكرهه النفوس وتجبن عنده الطباع، ثم حببه وقربه من جوهر الإيمان ومكنون التوحيد، فلا يطلبه إلا صادق الإيمان قوي البرهان: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} .

فحقيقة الجهاد؛ قائمة على صقل النفس وتجريدها لربها وخالقها بفعل أوامره، والإقدام على وعوده، وهذا لا يكون إلا إذا حُف هذا الطريق بالشدائد والمحن، ولهذا يقول الله عز وجل: {ولو يشاء الله لأنتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم} ، ويقول: {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي لابد أن يعقد شيئا من المحنة يظهر فيه وليه، ويفضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم، وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهتك به استار المنافقين فظهرت مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم) .

وتأملوا يا عباد الله قوله سبحانه تعالى: {ومنهم من يعبد الله على حرف فإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة} .

روى البغوي في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن الرجل من الأعراب كان يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ولد له بعد الإسلام غلام وتناسل فيه وكثر ماله، قال: هذا دين حسن، هذا دين جيد، فآمن وثبت، أما إذا لم يولد له غلام ولم يتكاثر خيله، ولم يكثر ماله، وأصابه قحط أو جدب، قال: هذا دين سيئ، ثم خرج من دينه وتركه على كفره وعناده) .

يقول سيد رحمه الله: (فلا بد من تربية النفوس بالبلاء ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد وبالجوع ونقص الأموال والأنفس الثمرات، لابد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة كي تقر على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف لا يعُز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى، فالتكاليف هنا هي الثمن النفيس الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تَعُز في نفوس الآخرين، وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها كانت أعز عليهم وكانوا أحق بها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت