قال أبو الدردا: (ذروة سنام الإيمان؛ الصبر للحكم والرضى بالقدر) .
وبهذا الدواء نستشفي من جراحنا المنبعثة هنا وهناك.
فبعد تفهم هذه الحقائق؛ ندرك المعنى المطلوب من وراء تشييد معركة الفلوجة وثباتها وانتصابها بكل ما أوتيت من قوة، لأنها اليوم هي المعركة الوحيدة على ثغر الإسلام الأول، والثبات فيها والرباط على خطوطها يعني الحفاظ على الثغر الأول الذي نطاعن منه الكفر والعدوان.
ولا يعني أن نرى العدو قد دخل إلى العمق وتجول في ساحات المدينة وتمركز على الأطراف أنه قد حقق أهدافه في الانتصار، فمعركتنا مع العدو هي حرب شوارع ومدن تتنوع في تكتيكاتها وأساليبها الدفاعية والهجومية، والحروب الضارية لا تحسم نتائجها من أيام ولا أسابيع بل تأخذ وقتها ريثما يحين موعد إعلان الفوز لأحد الطرفين.
ويكفينا قبل حسم النتيجة أن قرت عيوننا برؤية أبناء الإسلام يثبتون كالجبال الرواسي على خطوط الفلوجة المباركة، ويلقنون الأمة دروسًا جديدة في الجلد والصبر واليقين.
ولعلنا نلقي نظرة حول بعض من هذه الدروس والنتائج العظام التي تمخضت عن تلك المعركة الشامخة، فأقول:
أولاُ: أحيت المعركة من جديد معاني العزة والكرامة والإباء: وأيقنت الأمة أن هناك ثلة من أبنائها قادرين على مواجهة الأخطار الكالحة بكل جرأة وثبات وعزيمة، وأن هذه الثلة صدقت مع أمتها في خططها ومشاريعها التي أعدتها لانبعاث الأمة من جديد وبذلت من أجل ذلك كثيرًا دماء أبنائها وقادتها.
ثانيا: تعلمت الأمة - وهي في ذلتها وانكسارها - أنها تستطيع أن تواجه وترابط وتعارك أسياد الأرض وطغاتها بعصابة قليلة من أبنائها، وبعتاد خفيف من السلاح.. تستطيع بذلك أن تلحق بالعدو خسائر جسيمة أليمة وتجبره على تجرع كأس الهزيمة المر.
ثالثا: فتحت الفلوجة أرض المعركة على مصراعيها، فألهبت همم أبناء الإسلام داخل العراق وخارجه، ودفعت بدمائها الطاهرة التي أريقت على أرضها بالكثير من أبناء الإسلام لينهضوا بتكاليف الجهاد وينفروا للتصدي للحملة الصليبية العالمية، فاشتعلت المعارك والملاحم في أنحاء متفرقة من أرض العراق وتشكلت الكتائب والمجاميع وانبرى المجاهدون يتلقفون أرتال العدو ويصطادون دورياته ويغيرون على مواقعه، وقد شهدنا بفضل الله خسائره الكثيرة التي تكبدها على أرض العراق كلها، فكان من مفاخر هذا الفتح أن تعظم نفوس أبناء الجهاد وتنهار أمامها أساطير الآلات الحربية الحديثة فهممهم الآن قد تحررت من أوهام العجز والخوف وانطلقت إلى ميادين الجد والعمل.
رابعا: أحرزت معركة الفلوجة نصرًا عسكريًا استرتيجيًا مهما، فالجميع على دراية بتفوق الآلة العسكرية الأمريكية وتطور جيوشها ونظامها الحربي الذي يعتمد على ضرب الأهداف عن بعد دون