كان الزرقاوي في السجن، يترقب بشوق زيارات والدته اليه لحظة بلحظة، فلم يكن العالم المحيط به بالسجن من رفاق وامارة، كافيا لاشباع الجانب العاطفي من شخصيته، فكان اليوم المقرر لزيارة والدته اليه، يوما استثنائيا، اذ كان يلبس أفضل ما لديه لملاقاتها، وحين يسأله زملاؤه عن تأنقه غير المعتاد واهتمامه البالغ بهندامه، يقول: انها أمي.
هذه الأم كانت تحظي بمكانة كبيرة في ذاكرته ووجدانه، كتب اليها أرق وأعذب البطاقات التي كان يرسلها في المناسبات والأعياد الدينية، لكن جنوح مشاعره تجاهها لم يكن حائلا دون الالحاح عليها ضرورة الالتزام الصارم بالسلوك الديني القويم _ من وجهة نظره. وشوقه الي ملاقاتها الذي لا حدود له، دون أن يتمكن من تحقيقه بسبب ظروف اعتقاله، كان يستعيض عنه بالتمني بملاقاتها بالجنة في الدار الآخرة.
حبيبتي الغالية ان سألت عني فاني والحمد لله بخير ولا ينقصني سوي رؤية وجهك الطاهر ويعلم الله ما أحنُّ لشيء في هذه الدنيا أكثر مما أحن اليك يا ست الحبايب ولو بقيت العمر عند قدميك ما أوفيتك شيئا من حقك .
ولم تكن رسائل الزرقاوي وبطاقاته الي والدته، تعكس مشاعره تجاهها فحسب، بل كانت تعكس أيضا قناعاته الدينية، فرغم السن المتقدمة التي بلغتها والدته، مع ذلك كان يذكرها بضرورة عدم مجالسة الرجال والسلام عليهم، حبا بها، لتدخل الجنة، ويلقاها هناك:
فكم كنت أتمني أن أكون عندك في رمضان لأدخل السرور علي قلبك وأعوضك ما فات من سنين سجني ولكن قضاء الله نافذ لا محالة والحمد لله علي نعمه الظاهرة والباطنة وهذا يا أمي دين الله غالي يحتاج الي بذل الغالي والرخيص فأصبري يا حنونة فان لم نجتمع في الدنيا فالملتقي عند الله الكريم الجواد الرحيم ولكن احرصي يا حنونتي أن تطيعي الله في كل شيء وأكثري من فعل الخيرات في رمضان واياك ومجالسة الرجال ومصافحتهم فهذا رجائي عندك لأنني يا أمي لا أحب لك الا طاعة الله والبعد عن سخطه .
لم يكتف الزرقاوي برسائله وبطاقاته التي كان يرسلها من سجنه الي والدته وذويه، بما تتدفق به قريحته من أشعار وخواطر، بل كانت شدة الشوق والوجد اليهم تحيله فنانا يرسم من الكلمات لوحات فنية، تارة بالتفنن بالتخطيط، وتارة أخري بالرسومات المعبرة عما يجول في خاطره، بما تدلل عن عمق ارتباطه الأسري بوالدته وبقية أفراد عائلته. وحين غادر الي الباكستان بعد خروجه من السجن أرسل وراء والدته وزوجته للحاق به هناك، بيد أن والدته مكثت عنده بعض الوقت وعادت الي الأردن.
الزرقاوي متزوج من سيدتين له من الأولي أربعة أطفال أكبرهم الطفلة آمنة وعمرها (14) سنة، روضة وعمرها (11) سنوات، محمد وهو الولد الذكر وعمره (9) سنوات، والصغير مصعب وعمره (7) سنوات.