يلتقي الجسمي بالنفسي؟ لكي يجيب ابن سينا على هذا السؤال يلجأ إلى طبه مستمدًا منه بعض الملاحظات الفسيولوجية، فيوزع أولًا قوى النفس المختلفة على أجزاء الرأس ويعد لكل واحدة منها مقرًا معينًا. فالحس المشترك مثلًا متمركز في أول التجويف المقدم للدماغ، والمصورة في آخر هذا التجويف، والوهم في نهاية التجويف الأوسط، والحافظة في التجويف المؤخر. ويلاحظ ثانيًا أنه لابد لهذه القوى من خدم تنفذ أوامرها ومطايا تحمل آثارها. ومطيتها جميعًا جسم لطيف روحاني منتشر في الجسم، يخرج من القلب ويمتد إلى سائر الأطراف، ولا أدل على هذا من أنه إذا تصلب أو انسدت مسالكه انقطعت الحركة والإحساس. وهذا الجسم هو الروح التي تمد الأعضاء بالحرارة الضرورية للحياة وتربط القوى النفسية بعضها ببعض. فكأن القلب الجزء الرئيسي الذي يلتقي فيه الروحي بالمادي والعقلي بالجسمي. حقًا إن الدماغ يشرف على الجهاز العصبي ويتقبل الاحساسات ويدفع إلى الحركة، ولكنه هو أيضًا خاضع للقلب ومحتاج إلى الحرارة العضوية التي يبعث بها إليه.
هذه الفسيولوجيا تصعد إلى جالينوس وأبقراط وتمت ينسب إلى أرسطو. فإن تركيز قوى النفس في مناطق خاصة من الدماغ أمر عنى به جالينوس، ثم أخذه عنه العرب في شيء من التصرف، فتراه لدى الفارابي كما نراه لدى ابن سينا وأغلب الأطباء والفلاسفة المسلمين. والروح التي تربط القوى النفسية بأجزاء الجسم وتنفذ أوامرها ليست شيئًا آخر سوى الأبنيما التي قال بها اليونانيون الأول. وذلك أن ديوجين الأبولوني يزعم أن التفكير إنما يتولد من ذلك الهواء الذي يسبح في أوردة الجسم وشرايينه. ويقول هيرافليط إن التنفس يغذي النفس بالهواء الذي لولاه ما كانت حياة ولا عقل ومن هنا تولدت نظرية الأبنيما التي لعبت دورًا هامًا في الفسيولوجيا وعلم النفس القديم.
ومعظم أطباء الإغريق لا يرون في الأبنيما مصدر القوة والحرارة الإنسانية فقط. بل يعدونها منبع التفكير، وكثيرًا ما يخلطون بينها وبين النفس. والرواقيون بوجه خاص وإن قالوا بجسميتها يصفونها بكل الصفات الروحية. وقد قدر لهذه الفكرة أن تحيا إلى أن استكشفت الدورة الدموية التي قامت على أنقاضها. ويظهر أن قسطا بن لوقا البعلبكي والمترجم المشهور المتوفى سنة 835 ميلادية هو أول من أدخلها في العالم العربي، فقد