ويتطور القصص الشعري أيضًا فتظهر الرواية الشعرية التمثيلية، وتحل محل الملحمة، وينفصل التاريخ مستقلًا عن الأدب متخلصًا جهده من الأساطير، وإن ظل الاتصال بين التاريخ والأدب وشيجًا طول العصور.
فإذا اطرد رقي الحضارة ونمو العلم وازدهار الأدب ورواج النثر الفني، خطا القصص إلى مرحلته الأخيرة نحو الكمال، فصار فنًا مستقلًا من كل غاية خارجة، غايته الوحيدة غاية كل الفنون، وهي الجمال والشعور وتصوير النفس الإنسانية، وصارت له قواعده وتقاليده المفهومة، وبلغ مكانة ضرب راق من ضروب الأدب كالملحمة والدراما والخطابة، وسامي به النثر الشعر وباراه جولانا في ميدان النفس الإنسانية وأداء لوظيفة الأدب، وظهر في مضماره من فحول الكتاب من يضاهون فحول الشعر منزلة ونبوغًا، بل ظهر من الأدباء من يجمع بين الشعر والقصص، وذهب الوهم الذي كان سائدًا من قبل من أن القصص مطلب هين، وقنص شهب البزاة سواء فيه والرخم.
وللقصص، إذا ما بلغ هذا الطور السامي من أطوار رقيه مزايا يختص بها دون غيره من ضروب الأدب منظومه ومنثوره فهو يمتاز برحب المجال رحبًا يمكن من يمارسه من تناول أطراف الحياة المترامية، بين جد وفكاهة ووصف وحكمة وعلم وأدب، وهو يفسح للخيال متسعًا بعيد الآفاق، ويمتع اللب بما يعرض من دقائق الحياة وتفاصيلها إلى جانب جلائلها وبعيد أقطارها، وبه يعرض من أحوال الحب وأطواره ما يضيق الشعر نفسه ذرعًا باستقصائه إلى لمحات خاطفة، وقبل القصص كان النسيب وقفًا على الشعر دون النثر، والقصص لسهولة متناوله يذيع في الخاصة والعامة على حد سواء، على حين كان الشعر وقفًا على خاصة المثقفين.
ولذيوع القصص في الخاصة والعامة وجد فيه المصلحون وسيلة عديمة النظير لتر آرائهم ودعاياتهم، بتصوير الحال التي يكرهون وإبراز مساوئها وعرض ضحاياها والتنديد بجناتها وتشخيص سبل ملاقاتها، كل ذلك في أسلوب قصصي شائق تقبله النفس وتسيغه وتقتنع به اقتناعًا كان صعب المنال لو عرض عليها الأمر في صورة النصح أو الوعظ. ومن أشهر القصصيين الدعاة تولستوي وأبسن وآبانيز وغيرهم ممن كان لهم أكبر الأثر في الفكر الحديث وأعظم الضلع في التطور العقلي والمادي، وهو أثر قل أن يجاريه أثر الشعر في