التمثيلية التي هي أسبق من صاحبتها إلى الظهور، فتهجر الشعر إلى النثر، والخيال إلى الدقة، وتدرس النفس والمجتمع دراسة القصة لهما، لا تكادان تختلفان إلا شكلًا وطريقة تناول. فصاحب الرواية التمثيلية يترك أبطاله يرسمون شخصياتهم وأخلاقهم بأفواههم، وصاحب القصة لا يدعهم يفعلون ذلك إلا إلى مدى؛ ثم هو يتولى عنهم الشرح ويحللهم تحليلًا دقيقًا، ويكون من الأدباء من يجمعون بين كتابة الرواية التمثيلية والقصة المقروءة.
كان للإنجليز قصصهم وأخبارهم وأساطيرهم قبل أن يتحضروا كما كان لغيرهم من الشعوب. وكان كل ذلك يتداول شفاهًا، فلما تحضروا وعرفوا الكتابة كان الشعر كعادته أسبق إلى الرقي، فظهرت فيه قصص تشوسر المسماة حكايات كنتربري، ثم ارتقت الرواية التمثيلية في عصر إليزابث على يد شكسبير ومعاصريه رقيًا عظيمًا؛ وبدأت القصة النثرية في مرحلتها الثانية، فاتخذت وسيلة لغيرها: اتخذها صاحب كتاب (يوفيواس) وسيلة لشراح آداب الجنتلمان، واتخذها مؤلف (يوتوبيا) وسيلة لتصوير المدينة الفاضلة، واتخذها كاتب (أطلانطس) وسيلة لبسط النظريات العلمية، وفي كل هذه كان الفن هزيلًا والشخصيات مطموسة أو معدومة والسياق متداعيًا.
ثم تهيأت الأسباب الاجتماعية والمادية والمعنوية سالفة الذكر اللازمة لدخول القصة طورها الثالث، طور الفن المنسجم المهذب الذي يتوفر على تحليل النفس ودرس المجتمع، وذلك في أوائل القرن الثامن عشر، وقد بدأ ذلك التطور تدريجيًا كما هو الشأن في كل تطورات الطبيعة والمجتمع الإنساني، فانسلخت القصة رويدًا رويدًا عن المقالة الاجتماعية التي كانت منتشرة إذ ذاك في الصحف الدورية على أيدي ستيل وأديسون: كانت تلك المقالة تهتم بالأحوال الاجتماعية، وتتعرض لشخصيات المجتمع تحللها، وأولعت بشخص واحد يدعى سير رودجر، تتتبعه في شتى المواقف وتنطقه بشتى الملاحظات وتحيطه بمختلف الشخصيات، فكان من مجموع تلك المقالات قصة ذات تصميم وشخصيات وبطل وحوار ووسط اجتماعي وهلم جرا، ولم يبق أمام الكتاب الذين جاءوا بعد أديسون وستيل، إلا أن يزيدوا التصميم إحكامًا والحوار تسديدًا والشخصيات بروزًا.
وكان تاريخ القصة بعد ذلك خلال القرنين السالفين تاريخ تطور ورقي مستمرين، أحكمت أوضاعها وتعددت ضروبها وتتابعت أزياؤها، وظهر فيها كبار المؤلفين رجالًا ونساء: منهم