ولكل من الضربين متعته
ولشغف الإنجليز بسبحات الخيال، وميلهم إلى إطلاق الفكر في أجوازه، لجأوا في شعرهم ونثرهم إلى تصوير حوادث التاريخ وغرائب الأساطير، فاستقى شعراؤهم وكتابهم عذب القصص وممتعه من تاريخ إنجلترا وتواريخ اليونان والرومان وبني إسرائيل وغيرهم، واتخذوا من خرافات الأمم مجالًا لفنهم، فعرض سبنسر وتنيسون وكولردج وغيرهم تلك الخرافات عرضا شعريا رائقا مرصعا بجميل الوصف وبدائع المناظر الطبيعية، وشائق مواقف الحب والبطولة.
ومن ثم امتلاء الأدب الإنجليزي بأسماء الشخصيات الخيالية التي اخترعها الأدباء من مخيلاتهم ولم يكن لها قبلهم وجود أو كان لها وجود مبهم في عالم الخرافة فأخرجوها بعبقرياتهم إلى عالم النور والوضوح، وألبسوها ثوبًا من الجمال والجاذبية، وأصبح بعض هؤلاء الأشخاص الخياليين الذين امتلأت بذكرهم وأخبارهم الملاحم والقصص والشعر والنثر، أعلامًا على طبائع في الإنسان معروفة، ورموزًا على حقائق في النفس البشرية مشهودة، فشكسبير مثلا لم يكن يدع خلقًا إنسانيًا نبيلا أو وضيعًا إلا صوره في رواياته وخلق ما لا يعد من الشخصيات الحية، مثل هملت وروميو وجولييت وياجو وشيلوخ، وغيرهم ممن صار لهم وجود قائم في عالم الأدب كوجود أعلام الماضي في عالم التاريخ
لم يجر الأدب العربي إلى هذا المدى من الخيال، فلم تكن فيه ملاحم ولم تكن المطولات من هم شعرائه، ولم يرتق فيه القصص ولم يحتو على شخصيات متخيلة من خلق الأدباء، وظل الحاضر القريب والواقع المحقق ديدن أدبائه، فالأديب العربي كان شديد الإيجاز في مقاله وتعبيره عما يحس، يعبر عن أفكاره أشتاتا كلما عن له حافز إلى الكتابة، لا يدخر أفكاره ولا يربط منها حاضرًا بماض، بل يرسلها الشاعر على السجية أبياتًا محكمة النسج موجزة البيان، ويرسلها الكاتب روايات قصيرة متتابعة منسوبة كل رواية منها إلى صاحبها أو راويها أو شهودها؛ فأحسن أشعار المتنبي حكم موجزة متتابعة مستقل كل منها ببيت لا تكاد تجمعها علاقة؛ وقوام كتب كثيرة كمؤلفات الجاحظ والثعالبي وابن عبد ربه روايات وشواهد متتابعة، لا يكاد يكون للأديب فضل غير جمعها وتبويبها
كان الشعر الجاهلي محدود الخيال قريب المأخذ لمكان أربابه من البداوة وبعدهم عن