فليتفضل عليَّ بنبأ ذلك فأن العلم به ينقصني؛ وقد قرأت كل ما وسعني أن أقرأ من شعراء العرب والإنجليز وغيرهم واطلعت على ما وقع لي من التراجم والأخبار ومن قصص العشاق الصحيحة والكاذبة المختلفة فلم أر أن أحدًا أحب على الريق، فإذا كان هناك من اهتدى إلى غير ذلك فإنه يكون أحسن توفيقًا وأنا مستعد لتصديقه وتصحيح رأيي.
ولا أكاد أتصور أن يحب المرء وهو جائع ولا بعد أن تكتظ معدته بالطعام؛ فأما قبل أن يأكل فلأن إلحاح المعدة يشغله ويستغرق عنايته ولا يترك له بالًا إلى أمر آخر. وأما بعد الأكل فإن الامتلاء يصرف جهد الجسم إلى المعدة؛ أو إذا شئت فقل إنه يعدل المزاج فيشعر المرء أن كل شيء في الدنيا على ما يرام. وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، فلا تكون له رغبة ولا فيه استعداد لتغيير هذه الحالة وإبدالها بغيرها مما لعله مزعج أو ناف لهذا الشعور السار الذي تسكن إليه النفس. وقد جربت - وأظن أن غيري جرب أيضًا - أن أسباب الخلاف والنزاع وخصوصًا بين الرجل وزوجته تفتر جدًا، وكثيرًا ما تزول جملة، بعد الأكل لسببين: الأول أن الجسم يشغل بما حشي به وصار أولى بجهده؛ والثاني أن الشعور بلذة الامتلاء - وهو شعور راجع إلى الحرص على الحياة - وما يفيده ذلك من الرضى والاغتباط لا يدعان محلًا للعودة إلى خلاف سخيف خليق أن يفسد هذا الشعور الجميل.
وأنا لا عالم ولا فيلسوف ولا شيء على الإطلاق مما يجري هذا المجرى، وإنما أتكلم بما أعرف وأتحدث عما جربت؛ والذي عرفته وجربته هو أن المرء في الصباح يحس حصانة ومناعة - من الأمراض ومن الجمال - وقلما يعني بأن يتبع النظرة في هذا الوقت؛ ولو أن اليوم كله صباح لكان على الحب السلام، ولكن اليوم ليس كله صباحًا مع الأسف. والمثل يقول إذا أردت أن تطاع فمر بما يستطاع. وما من أحد يستطيع أن يكون في الظهر كما يكون في الصباح، ولا في التاسعة صباحًا كما يكون في التاسعة مساء. في الصبح يكون قويًا قادرًا على العمل كفئًا لمقاومة المغريات لأنه مستجم مستريح، فإذا جاء الظهر يكون قد تعب وشعر بالفتور وبالحاجة إلى الراحة والطعام - أو الطعام والراحة - ويكون العمل قد هد منه وسرق من قوته وسلبه بعض ما ادخره للكفاح والنضال. ولكن الحاجة إلى الطعام تكون أقوى ما يحس وألح ما يدرك، فيصرفه ذلك عن كل ما عداه ولا يبقى له هم إلا أن