هكذا تكلمت أمام كلب النار، فقاطعني بهريره قائلا: (الكنيسة، وما هي هذه الكنيسة؟) فقلت: إن الكنيسة شئ أشبه بالدولة، بل هي من أكذب أنواع الدول، ولكن صه أيها الكلب، فانك أخبر بنوعك من أي كان. إنما الدولة حيوان خبيث على شاكلتك فهي تحب أن تتكلم فترسل بيانها دخانًا وهريرًا لتخدع الناس وتجعلهم يعتقدون بأن أقوالها مستمدة من غور الأمور. فهي تريد أن تكون أعظم حيوان على وجه الأرض والعالم يراها على ما تريد.
وظهرت على وجه الكلب أفظع معاني الحسد فصاح: ماذا تقول وهل يعتقد أحد أن الدولة هي أعظم حيوان على الأرض؟
فقال هذا وخرجت من بين شدقيه إعصار من الدخان وازداد هريره حتى حسبته مقتولًا بغيظه. ولكنه ما لبث حتى استعاد السكون فقلت له: - لقد تملكك الغيظ، يا كلب النار، وذلك دليل على أنني أقول الحق عنك. وهأنذا أستمر في إعلان الحقائق فأحدثك عن كلب آخر من أتباع النار وهذا الكلب يتكلم حقيقة من قلب الأرض، فلهاثه من ذهب، وما يحسب حسابًا للرماد والدخان والزبد الحار فإن فيما حوله ترتفع قهقهة تنتشر كأنها سحاب يزهو بعديد ألوانه. وهو عدو هريرك وزبد شدقيك وما في أحشائك من الاختلال. إن هذا الكلب يأخذ الذهب والضحك من قلب الأرض لأن قلب الأرض من ذهب، فاعلم هذا أنت.
وغلب الكلب على أمره عند سماعه هذه الكلمات فأرخى ذيله خجلًا وبدأ يعوي وهو يزحف زحفًا إلى مغارته.
هذا ما سرده زارا لأتباعه ولكن أتباعه ما كانوا يبالون بما يقول وقد اشتد شوقهم إلى إخباره عما حدث للبحارة والرجل الطائر في الهواء.
ولما سمع زارا ما قصوه عليه قال: ماذا عساني أظن بما قلتم؟ أفأكون شبحًا من الأشباح؟ ولعل ما رأوه لم يكن سوى خيالي ولعلكم سمعتم حكاية المسافر وخياله، غير أنه من الواجد علي أن أشدد النكير على خيالي فلا يذهب كما يشاء نائلًا من شهرتي.
وهز زارا رأسه بتعجب متسائلًا عما يقوله في هذا الحادث وهو لا يدري لماذا هتف الخيال قائلًا: لقد اقترب الزمان.
هكذا تكلم زارا. . .
العرّاف