خاص غريب على الطبيعة فلا بد إذن أن يكون في الحيوان شيء آخر غير العقل هو الذي يصونه هذه الصيانة، ويحفظه هذا الحفظ ويقوده إلى السلامة، ولا بد أن يكون هذا الشيء أنفع من العقل. . . فهل هو موجود عند الإنسان أو مفقود؟ فإذا كان موجودًا فلماذا يغفله الإنسان ولا ينتفع به؟
ويهتز أستاذنا حينئذ طربًا لأنه تمكن من مغمز في كلامنا فهو يأخذ بخناقنا ويقول: إن الإنسان أيضًا لا يرتبك ولا يضطرب ولا يعجز عن صيانة نفسه وحفظها إلا إذا دهمه طارئ غريب على الطبيعة
فنبتسم نحن في دورنا ونسلم له بهذا جدلًا مع أنه كلام مبتور ولكننا نسأله:
-ما بال الإنسان إذن يكثر من صناعة العجائب والغرائب بعقله، وما باله يتعمد الحيدة عن الطبيعة، وفي هذه الحيدة الأذى والضرر. . . لا بد أن يكون العقل إذن هو الجنون
ويزور أستاذنا عن هذه النتيجة فيعبث بلحيته قليلًا ثم يسعل سعلتين، ومع أنه رجل طيب متواضع إلا أنه عالم يعتمد في علمه على العقل، وعلى العقل وحده، فإذا آمن معنا بأن العقل مجنون كان عليه أن يغيب عنا ساعة يمزق فيها كتبه، ويحطم فيها أجهزته ثم يعود ألينا نحن الجهلاء ليجلس إلى جانبنا معتمدًا رأسه بكفه ينتظر الفيض من الكريم. . . عز على أستاذنا الطيب المتواضع أن يغيب عنا هذه الساعة لأنه فيما يظهر أحبنا ولم يعد يطيق البعد عنا. . . ونحن قوم نستجدي الله عطف المحبين
انتصب الرجل، وتحجرت عضلاته - فتحجرت نفسه - ووضع يديه في وسطه وهز لنا رأسه وقد ركبته كبرياء العلم وزجرنا متسائلًا، أو سألنا زاجرًا:
-والآن ماذا تريدون؟
فخفضنا الرؤوس ذلًا ورجاء، وزفرناها جميعًا قائلين:
-اللهم إنا لا نطلب إلا الهدى فاجعلنا من المهتدين
فسألنا ساخرًا:
-ومن يهديكم غير عقولكم؟
فقلنا: - قد رأينا العقلاء مجانين
فقال: - وكيف إذن تهتدون؟!