-في طراءة عمره وغضارة شبابه وكان الخوارزمي قد علت به السن فتحيفت جسمه وعقله معًا.
وأنكى من هذين على الخوارزمي أن جماعة من وجهاء نيسابور لا يخلو من أمثالهم بلد من بلاد الله، كانوا يكرهونه وينفسون عليه نعمته، فصاروا عليه إلبًا في هذه المحنة، وشدوا أزر خصمه، ولا شيء أثلم للعزيمة وأقعد بالهمة من خذلان الآل والأقارب!
وهي حال شاذة ممضة أنطقت بالشكاة كثيرًا من جِلّة الفضلاء! فقال في ذلك قاضي الأندلس وخطيبها المصقع المنذر ابن سعيد:
هذا المقال الذي ما عابه فنَدُ ... لكنّ صاحبه أزرى به البلد
لو كنت فيهم غريبًا كنت مُطَّرَفًا ... لكنني منهمو فاعتالني النّكد
وقال الفيلسوف ابن حزم:
أنا الشمس في جو السماء منيرة ... ولكن عيبي أن مطلعي الغرب
ولو أنني من جانب الشرق طالع ... لجدَّ علي ما ضاع من ذكرى النهب
هنالك تدري أن للعلم غصّة ... وأن كساد العلم آفته القرب
فواعجبا من غاب عنهم تشوفوا ... له، ودنوّ المرء من دارهم عيب
ولنأخذ الآن في إيراد هذه المناظرة، موفِّقين بقدر الإمكان بين الروايات المختلفة، فنقول:
في سنة ثمانين وثلاثمائة هـ فارق البديع بلده همذان التي نشأ به وتأدب، إلى حضرة الصاحب بن عباد وزير آل بويه وخليفة ابن العميد، وهي - إذ ذاك - مرمق العيون، ومناط الآمال، ومحطّ الرحال، فلقي فيها ما يلقاه كل أديب: من كرم الوفادة، وحسن الرعاية، وجميل التعاهد.
وكان مجلس هذا الوزير العالم الأديب، آخر مجلس لوزير ضم خيرة العلماء وصفوة الأدباء، وأعيان المصنفين والمتكلمين، وهم دائمًا في حوار متصل، وجدال مستحر، ومذاكرة دائبة لا تهدأ ولا تفتر، فكان لذلك أثره البالغ في صقل مواهب البديع، وفتق جنانه، وتزويده بمعارف جديدة واسعة، وهو في مقتبل الشبيبة وميعة الحداثة.
وكان الظن بمثله أن يضن بمفارقة هذا الروض المونق والجناب الخصيب، ولكنا رأيناه في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة يشخص إلى خراسان، وبعد جولة قصيرة في ربوعها يرد