يرث أو يبلى في حزنه. على أنني أعود فأتخيلك وأنا ذاهلة على وعي قلقة على سكينة، مضطربة على قرار، مأخوذة على استقرار. أتخيلك في سنة نومي إذا دعوتك أجبتني فأدعوك، ثم أدعوك، وأتسمع عليك ثم أتسمع، فإذا هو القبر في سكتته، وإذا هو الحزن في فورته وثورته. وإذا بصدى دعاني يردد إلى نفسي خافتًا خافتًا
أبتاه:
إني لألمحك الساعة وأنا أكتب كلمتي في ذكراك الثانية، ألمحك من وراء قبرك، من وراء الموت، من وراء الزمن، من وراء الخلود، قارًا متضوئ النفس رضيها بما أزلفت في حياتك لقومك من برٍ هم به ذاكروك، وبما تلقى عند ربك من ثواب ما قدمت يداك لأمتك لا لنفسك فخلعت عليها شبابك ونبهت للمجد أترابك، ومن ثمَّ كانت خلاصة حياتك مثالًا ساميًا من أمثلة الجهاد والعمل. فحملت نفسك وحمَّلتها غير عابئ بالمرض يداخلك من حيث لا تتقيه، ويهدُّ من صحتك ما لا يَرُمُّهُ العلاج ولا يبنيه
لا، بل ألمحك في آثارك الحية بين يدي وكل أثر منها هو قطعة من حياتك عليها طيفك يرف
وألمحك في أخي الوحيد (كمال) الذي كان كل همك حيًَّا وتركزت فيه آمالك وأحلامك، وقد تركته في هذه السن الصغيرة، ملقيًا عليه أمانة هي ذلك العبء الثقيل الذي أراه في طريقه إلى النهوض به ناشط الكاهل مرجو لمخايل
ألا فنم هانئًا هادئًا مطمئنًا فإنه وإن لم يبلغ مداك، فحسبه أن يسير على هداك
رحمك الله يا أبي بقدر ذلك النور الفياض الذي نقتبس منه طريقنا السوي، وأنال ولدك الحظ الذي أملته، وأمطر جسدك الكريم وابلًا من فيض رحمته، وألهمنا بقدر مصابنا فيك السلوى
وإلى يوم الملتقى عليك مني السلام
ابنتك البارة
وداد صادق عنبر