لم أصدق عيني وأنا منزو في مخبأ في الطريق. فقد كانت بيروجيا بأسرها - لا الحي وحده - تعرف أنني خطيبها وأننا سنصبح عما قليل زوجين. ومع ذلك، فهاأنذا أراها قبيل الزواج ببضعة أشهر تساير شخصًا غريبًا على أثر إهمال بسيط صدر مني عفوًا ودون إدراك مني. . . شخصًا التقطته من بين الأفواج المتدفقة في ساحة (الكرنفال) !
وولجت هي بيتها، بينما عاد هو في الطريق يصفر فرحًا جزلان، فما أن ابتعد عني ثلاثين خطوة، حتى تسللت في أثره، وقد قررت - بعد أن رأيت ما بينه وبينها من علاقة - أن أقدم له الجزاء الذي يستحق. . . كان يجب أن يموت، وكان ينبغي أن تموت هي أيضًا، ولكنه الأجدر بالأسبقية في تلقي الجزاء!
كان من السهل أن أغتاله في تلك الطريق ذات الأضواء الضئيلة، التي لا تكاد تقوى على مكافحة الظلام الطاغي. . . ولكن. . . ألا يجوز أن يقبضوا عليّ، فتفلت هي من انتقامي؟. . .
وصمت العجوز مرة أخرى، لينزع عن الزجاجة سدادها، فيملأ الكأسين، بينما كان القمر قد اعتلى كبد السماء، وازداد ضوؤه الفضي تألقًا، حتى تراءى لنا المنظر المحيط بنا، وكأنه يبدو في وضح النهار. حتى إذا أفرغ كأسه في جوفه، عاد يقول متابعًا قصته:
(لعلك تقدر موقفي يا سيدي، فقد كان عليّ أن أحرص على حياتي، حرصي على كنز ثمين، حتى أتم انتقامي كاملًا، وهذا لا يتأتى إلا إذا فرغت من حساب جيوفانا على ما قدمت. . .
ومع ذلك، ظللت أتعقب الرجل!. . .
والظاهر إنه كان قد أختطف ألعوبة (شخشيخة) أحد المهرجين، أثناء المهرجان، فراح طيلة الطريق يهزها يمنة ويسرة ويضرب بها ظهور الناس خلال الزحام، وهو يضحك ساخرًا لاهيًا في غفلة عن الذي يتعقب خطاه، معدًا خنجره للقضاء على حياته
كان يلوح كمن يبتغي اجتذاب أنظار القوم. فكان يسخر من كل فتاة أو شاب يعترض طريقه، ويهزأ بكل عجوز أو كهل يصادفه، مرسلًا قهقهته عالية في الجو. وكأنما هو لم يكتف بما نعم به من سعادة في رفقة جيوفانا، فما لبث أن أوقع في أحبولته فتاة أخرى، أحاطها بذراعه ثم دفعها معه، وقد تبعتها صويحباتها وهو غير مكترث بهن. ولعله كان