جهادهم ونضالهم. فهلا رأيت في هذا شيئًا يسيل من عينيك دمعة حرى على نكبتهم؟
هل ترى لأمة أخرى في التاريخ الحديث مثل هذا الفضل؟ إن الإنجليز كانوا يستمتعون قبل الفرنسيون بنوع من الحكم الدستوري الحر لم تستمتع به أمة أخرى، وقد ثاروا على ملوكهم قبل الثورة الفرنسية مرات حتى استخلصوا من بين أنيابهم حقوقهم، فهل سمعت عنهم قبل الثورة الفرنسية أنهم طالبوا الأمم غير أمتهم بهذه الحقوق المقدسة؟ لم تسمع لهم في هذا صوتًا، ولكن الفرنسيين يوم حصلوا على هذه الحقوق قاموا يدعون بها ويبشرون ويضجون، وكأني بسيل دمائهم يفيض على الدنيا فيوقظ النفوس الراقدة، وينبه الأمم إلى حقوقها.
هذا شيء من تراث النفس الفرنسية؛ أما ثمرات عبقريتها في حضارتنا المادية فقد تعلمها خيرًا مني. فتقدم الإنسان الآلي قام بقسط من خَلقه العقل الفرنسي؛ ورقي الطب كان أكثره على أيدي الفرنسيين، وتلك الثروة الهائلة من الإنتاج الأدبي الرقيق هي من ثمار العقل الفرنسي.
كم وددت لو أتيح لكل من هؤلاء الشامتين بفرنسا أن يحيا فيها زمنًا لينظر كيف يعمل الناس في صمت، وكيف يعملون كالنحل دائبين، كأنما العمل الدائم الدائب فيهم موهبة مخلوقة وغريزة متوارثة. لو رأيت هذا مثلي لأدركت حقًا أن بعض الأمم تعيش كما تعيش الطفيليات عبئًا على غيرها.
لو شهدت متاحفهم، وتلك اللوحات التي تصور بألوانها وظلالها جمال النفس وحلاوة الروح، لأدركت أنك أمام أمة ممتازة لا تملك إلا أن تحبها، لأن الإنسان بفطرته يحب ما يمتاز وما يعطيه فكرة عن أسمى ما في كيانه.
ولو شهدت معي في فرساي (قاعة الوقائع) ورأيت سلسلة الانتصارات التي أحرزها هؤلاء الناس في ماضيهم، وأحسست بما تتركه هذه الصورة في نفسك من تاريخ هذه الأمة وفي نفس الطفل وفي تربيته، لوقفت على شيء من عظمة هذه النفس وعبقريتها.
وبعد فإن سقوط الأمم لهوًا من اللهو، ولا تسلية يزجي بها الوقت، ولكنه حادث جليل تخضع النفوس له إجلالًا وتخشع القلوب منه رهبة؛ فإذا كانت الأمة المحطمة قد تركت في حياة الناس أثرًا، وفاضت عليهم من نور روحها شعاعًا، فهي أولى يومئذ بأن تسكب في