كان لها منه حِفاظُ الأخ ولا وفاء الحبيب!
هذا واحد؛ أما الأب والأم فراحا يدبران أمرهما قبل أن ينتفض غزلهما، وإنهما ليحسان حينًا بعد حين آلامًا مُرةً من قسوة ما نال وحيدهما العزيز المرجوّ؛ فذهبا يعدان العدة لتزويجه قبل أن ينتكس ويعاوده مرضُه!
وأما هي، أما هي فكانت بين مَغْداها ومراحها كل يوم إلى شجرة الصفصاف ما تزال تأمل أملًا، أملًا يلوح ويخفي كما يتراءى القمر بين قطع السحاب، ولكنه أمل يمسك عليها نفسها. . . وبلغها النبأ أخيرًا وعرفتْ أن فتاها يوشك أن يتزوج؛ وارتكضت أحشاؤها تنبئها نبأ آخر. . .
وكانت القرية ساطعة الأنوار احتفالًا بعرس عابد، حين كانت أمينة تدرع الظلماء في طريق لا تعرف له غاية!
وأصبحت القرية بعد ليلة ساهرة تبحث عن أمينة فلم يعرف لها خبر؛ ولكن سرها ظل مكتومًا لم يطلع عليه أحد؛ لأن الثلاثة الذين يعرفونه لم يكن يسرهم أن يعرفه أحد!
وراح أبوها وذوو قرابتها يتقصَّصون الخبر ويتبعون الأثر؛ فلم يبلغوا إلى غاية؛ وذهب الناس في الحدْس مذاهب، ولكن أحدًا منهم لم يبلغ من سوء الظن أن يتهم أمينة تنال من شرفها؛ إذ كانت عندهم فوق الظنون والريب؛ فاتهموا بها وَحْشَ الفلاة ومَوْجَ البحر ولم يتهموها؛ وأقاموا لها مأتمًا وقرءوا لها القرآن!
وسمع عابد النبأ فعرف ما كان، وأقام مأتمها في قلبه ولم يزل صدى أغاني العرس في أذنيه!
لم يسعد عابد بزواجه كما رجا أهلهُ، ولم ينس؛ وعاش كما قٌدِّر له، بين حُطام الأمل، ولوعة الذكرى، ولذْع الندم؛ صباحٌ ومساء، ونجم ينير ونجم يغور، والحياة هي الحياة إلا ما تُجدِّ له الذكرى من الألم وعذاب القلب ووخز الضمير!
كان ذلك منذ بضع عشرة سنة، وما يزال عابد كعهده يوم كان؛ لم يغيِّره الشيبُ الباكرُ شيئًا ولم تقوَ الأيام أن تمحو آلامه؛ على أنه اليوم يعيش منفردًا في القصر الأبيض كما عاش منفردًا بآلامه منذ سنين؛ وقد آل إليه القصر والمزرعة بعد وفاة أبيه وأمه، وعقمت زوجُه فلم تقدر أن تمنحه الولد، كما عقمت من قبل فلم تقدر أن تمنحه الحب؛ وعاش وعاشت كما