كيف يحلو من القوى التشفي ... في ضعيف ألقى إليه القيادا؟
ثم يمضي بعدُ حسراته وزفراته حتى ينتهي إلى تقريع أبناء مصر الذين ينقلبون حربًا عليها، ويكونون عونًا للمستعمر على خضد شوكتها؛ ويخلص من ذلك إلى قوله وقد أنكر تصرف هؤلاء الأعيان وزرى عليه:
لا جرى النيل في نواحيك يا مصر ... ولا جادك الحيا حيث جادا
أنت أنبتّ ذلك النبت يا مصر ... فأضحى عليك شوكًا قتادا
أنت أنبتّ ناعقًا قام بالأمس ... فأدمى القلوب والأكبادا
إيه يا مْدرهالقضاء ويا من ... ساد في غفلة الزمان وشادا
أنت جلادنا فلا تنس أنا ... قد لبسنا على يديك الحدادا
هذه الروح القوية التي استبانت فيما أوردنا من شواهد هي التي صدر عنها حافظ في جهاده الوطني الذي صار من أجله شاعر النيل غير مدافع ولا منازع.
وما زال - رحمه الله - يغذي الحركة الوطنية، ويشيد بها حتى ألقى عصاه بدار الكتب، فصرم بها زمانًا لا ينشدنا إلا لماما.
وما كان للنفوس التي خالطها حبه، وغذاها أدبه، وطبعت على أن تسمع صوته متصلًا لا ينقطع، أن تسكن إلى تلك الحال، وأن ترضى بذلك القليل يأتيها منجما في أوقات متباعدة.
فلما ترك - رحمه الله - المنصب محالًا إلى الراحة والدعة، أمّلت خيرًا واستشرقت وأنست إلى مقطوعاته التي كان ينظمها اليوم بعد اليوم، ولكن ما هي إلا جولة أو جولتان حتى رفع القلم، وطوى الأثر، وودعنا حافظ
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
أبى البؤس الذي ألح على حافظ حياته أن يدعه بعد وفاته، فكفرت الأمة بأياديه عليها، ولم تعرف لذكراه حقها، وكان أقل ما يجب عليها لمن عاش حياته مجاهدًا في سبيلها، مسبحًا باسمها، أن تجعل يوم وفاته أحد أيامها الخالدات، تهرع فيه إلى تمجيد ذكره وإعلاء قدره، وأن تنشر صحيفة جهاده للأدباء ليتأثروه فيه ويعملوا على شاكلته.
وليس هذا وحده هو كل ما أصاب حافظًا من بؤس بعد وفاته، فان خلصاءه الذين عاشروه ولابسوه ولزمهم بذلك ما يجب على الصديق للصديق، قد نفضوا أيديهم مما تعاهدوا عليه