يحول بيني وبين الفناء ويبقي علي شيئًا من كياني، ولكني في هذه اللحظات لم أعرف أين أنا ومن أنا فقد اشتملني جناح رفيق رقيق، وطار بي في هذا الأفق الموغل المترامي ليتركني بين وجيب الشمس المحتضرة وثنايا السحب المنتصرة:
كان من أمامي صراع. . . الليل الزاحف كالموت، والأفق الذي ينبسط في مهوى الشمس المنحدرة كالحد، والسحب الكثيفة التي تصرفها الريح فتغطي بها على النور كسكرات النزع. . . ثم وجدتني في صميم هذا الصراع جزءًا منه. . . كان يبدو لعيني من بعيد فآسى له، أما الآن فأنا في ظلماته الطاغية وأنواره الخافتة أبكي منه. . . كان حلمًا مزعجًا يثيرني، ولكنه اليوم واقع يأسرني ويدميني. . . كان مشهدًا أستمد منه ألوانه وأنغامه، أما الساعة فألوانه من دم قلبي وأنغامه من أناتي.
وفي صميم المعركة لا يملك المجروح أن يعي ما كان. . . يفنى فيما حوله وتفنيه الأشياء التي حوله. . يستغرق فيها وتغرقه. . . لا يدرك أكان هو الذي استوعبها أم هي التي استوعبته. . . ولكنه حين يفيق، يفيق على السكون الحزين الذي لا يفسده إلا نض الجرح بالدم ونبض الصدر بالأنين.
.. . وكأنما استيقظت، حين نظرت من حولي فلم أجد شيئًا ولم أحس حركة ولم أبصر إنسانًا. . . لم يبق إلا سكون الموت وأنين الموج. . . أما هناك، في الأفق، حيث كان الصراع فقد انطوى البحر على الحطام الباقي من الشمس. . . لم تبق من الشعاعات الأخيرة إلا ظلالها. . ثم نحلت هذه الظلال فلم يبق إلا انطباعها على بعض السحب. . . ثم محت أنفاس الظلمة المنتصرة هذا الانطباع فلم يبق شيء.
لقد زايلتني كل هذه الصور التي كانت من حولي، وخفتت كل الأصوات التي كانت في أذني. . . هدأ الموج الذي كان يتكسر على الشاطئ، واختفت الغلالات التي توشي السماء، وركدت الريح التي كانت تطرز البحر. . . لقد طمس الموت الصور فأحالها ظلالا، وامتص الحركة فأحالها سكونًا وعمقًا. . . فلم يبق إلا الذكريات أعيش بها وأعيش عليها، ومن وراء هذه الذكريات أرى الألوان الزاهية والجوانب المتوردة والصفحات المشرقة،