رأيت بسمارك في اللندتاغ وسمعته خطيبًا، تتبعت حيله، وكان يرمضني أن ألحظ في مطلع حياته مناوأته للأحرار، ونزعته البروسية الإقليمية، وكدت أنحاز إلى خصومه لولا ما كان يجذبني إليه من إعجاب بشجاعته وإقدامه، ولولا تلك المتعة التي كنت أظفر بها حين أقرأ رسائله التي اتسمت بالبيان المشرق والقول الساحر ووصفه البليغ تلك المحن النفسية التي كان يعانيها حين يختلف والملك والملكة وولي العهد والشعب والضباط. . ثم قدرته سياسيًا بارعًا حين غدا سفيرًا لبلاده في بطرسبرج فباريس، وأعجبت أي إعجاب بدوره في قضية شلزويع وهولشتاين وما كان من أمره في حرب النمسا؛ وأكبرته حين قال قولته المشهورة: (أعرف أنني ممقوت ولكن الحظ متقلب تقلب رأي الناس، وأجازف برأسي، وألعب لعبتي وإن أسفرت عن سوقي إلى المشنقة، ولن تبقى بروسية ولا ألمانية كما كانتا ولا بد لهما من سلوك تلك السبيل وصولًا إلى ما يجب أن تكونا عليه، ولا تجد سوى هذه السبيل!) .
وجاء نصر الله في سادوا ووثبت الوحدة الألمانية أشواطًا، ورأينا عبقرية بسمارك في حرصه على تجنب ما ينكأ قروح النمسا من الذكريات الجارحة، وأخذه النمسا المغلوبة بالرفق والهوادة، ليحول دون توثيق صلاتها بفرنسة، ذلك لأنه أبصر في الأفق حربًا أخرى سيحمل عليها طوعًا أو كرهًا. . . ورأى التاريخ في أعقاب ذلك من شجاعة بسمارك وصموده لتهديدات المجلس وريب الملك ومعارضة الملكة وأركان القصر ودسائس السفراء ووسوسات المثالين ما دون معه أن هذا العظيم رجل يخضع خياله لواقعيته فيزن كلامه ويهيئ أفعاله، ويؤثر عظائم الأمور على الصور، مستعدًا للعمل مع أية أمة وأية دولة إذا ما لاءم هذا هدفه ورأى بسمارك بعد سادوا أن ألمانيا لن تظفر بوحدة أوسع نطاقًا بغير العنف أو بغير خطر مشترك يثير غضب الألمان كلهم، فأعد العدة لحرب السبعين. . . ثم كان الفتح المبين في سيدان وتوج في باريس قيصر بروسيا إمبراطورًا لألمانيا الموحدة في احتفال وصفه لودوج وصفًا أثار فيه الألم لما لقيه بسمارك فيه من جحود سيده. ومن هو بسمارك المجحود المنكور أنه (الرجل الذي يلاعب الدول العظمى في أوروبا ملاعبة الحاوي الماهر) أنه الرجل الذي رأيناه حديديًا في الشؤون الداخلية وامرن الدبلوميين كافة في الصلات الخارجية. وكان لودوج يحلل خلال ذلك نفسية العظيم وآراءه في الكنيسة والبيت والطبيعة والتاريخ وولعه بالغابات والكلاب، ويأخذ القارئ العجب من تنبؤات