وقال ابن كثير في قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية:"وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيم مَلَكُوت السَّمَوَات وَالأرْض وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ"فَإِنَّهُ تَعَالَى جَلَّى لَهُ الأمْر سِرّه وَعَلانِيَته فَلَمْ يُخْفِ عَلَيْهِ شَيئًا مِنْ أَعْمَال الْخَلائِق فَلَمَّا جَعَلَ يَلْعَن أَصْحَاب الذُّنُوب قَالَ اللَّه إِنَّك لا تَسْطِيع هَذَا فَرَدَّهُ اللَّه كَمَا كَانَ قَبْل ذَلِكَ فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون كَشَفَ لَهُ عَنْ بَصَره حَتَّى رَأَى ذَلِكَ عِيَانًا وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون عَنْ بَصِيرَته حَتَّى شَاهَدَهُ بِفُؤَادِهِ وَتَحَقَّقَهُ وَعَرَفَهُ وَعَلِمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكَم الْبَاهِرَة وَالدلالات الْقَاطِعَة كَمَا رَوَاهُ الإمَام أَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل فِي حَدِيث الْمَنَام"أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَن صُورَة فَقَالَ يَا مُحَمَّد فِيمَ يَخْتَصِم الملأ الأعلى؟ فَقُلْت لا أَدْرِي يَا رَبّ، فَوَضَعَ يَده بَيْن كَتِفِي حَتَّى وَجَدْت بَرْد أَنَامِله بَيْن ثدْيَيَّ فَتَجَلَّى لِي كُلّ شَيْء وَعَرَفْت ذَلِكَ. وَذَكَرَ الْحَدِيث."
أقول والله أعلم دون الخوض في صحة حديث أو ضعفه فليس هذا مقصدي، ولا أُحسِنه: إن الله تعالى وهب سيدنا إبراهيم ما طلبه من إحياء الموتى - ولم يُرِ ذلك أحدًا غير إبراهيم عليه السلام - وأجرى على يديه معجزة إعادة خلق الطيور بعد ذبحها ليزداد يقينه مع أنه مؤمن، ولكن الإنسان يطمح إلى الاطمئنان مهما كان يقينه عامرًا كما في قوله تعالى"وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" (البقرة ـ 260) .
فليس غريبًا بعد هذا أن يكشف عن بصره وبصيرته فيريه الأرَضين السبع ويفتح له السموات السبع، كما أن الرؤية لم تُحدد بصيرتها ولا بصريّتها في القرآن فلا نضيّق واسعًا، وإبراهيم، وما أدراك من إبراهيم؟ إنه خليل الله تعالى، وقد رأينا في الحديث الذي رواه الإمامان أحمد والترمذي رحمهما الله تعالى أن الله تعالى يضع يديه سبحانه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، فيُجلّي بصيرته كما جلّى بصره يوم المعراج، ورفعه إلى الملأ الأعلى.
وإذا صحّ توجيه عمر رضي الله تعالى عنه سارية إلى الجبل - وهذا يعني أن عمر رأى جيش المسلمين على بعد آلاف الأميال ووصل صوته إلى قائدهم - فلا تستغرب أن يكشف الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام مغاليق السموات والأرض ليكون من الموقنين. ولا يعارض النظرُ في ملكوت السموات والأرض والنظر في خلق الله والاعتبار بعظيم ما صنع - وهذا ما ينبغي على كل إنسان عاقل نبيه أن يفعله ليرى عظمة الله تعالى - لا يعارض هذا أن يرى إبراهيمُ عليه السلام ببصره وبصيرته ما يقدره الله تعالى له، وأبصارنا في الدنيا محدودة، وفي الآخرة يُكشف عنها غطاؤها كما في قوله تعالى:"فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" (ق ـ 22) ولعل الله تعالى كشف عن سيدنا إبراهيم غطاءه فرأى ما رأى. ونضيف هذا المعنى إلى قول ابن كثير رحمه الله"فَإِنَّهُ تَعَالَى جَلَّى لَهُ الأمْر سِرّه وَعَلانِيَته فَلَمْ يُخْفِ عَلَيْهِ شَيئًا مِنْ أَعْمَال الْخَلائِق"فنرى أنفسنا في المعنى الذي أراده الإمامان الجليلان: الطبري والقرطبي وغيرهما ممن رضي قولهما ورجحهما.
والله أعلم.