ـ [ابن عبد العزيز الرجداوي] ــــــــ [17 - 07 - 2008, 12:57 ص] ـ
دكتور
أسامة عبد العزيز جاب الله
كلية الآداب - جامعة كفر الشيخ
أينما وُجِدَ العدول في التعبير اللغوي وُجِدَ التركيب الفني والجمالي، فما العدول في حقيقته إلا اللغة في بنيتها السطحية (الفنية) ، مبتعدة في اتجاه مضاد لمستوى البنية العميقة (المعيارية) ، التي هي أصل بنية العدول.
والقرآن الكريم كأثمن نص تعبيري باللغة العربية وظّف هذه البنية العدولية في مبانيه الجملية والتركيبية على أروع نسق، وأجمل هيئة تعبيرية، ذلك لأن فنية العدول في القرآن تتسع لتشمل في فضائها ألوان متنوعة تتمثل في:
1 -العدول الرتبي (التقديم والتأخير الرتبي) .
2 -العدول المعنوي (التقديم والتأخير المعنوي) .
3 -العدول الضمائري (أسلوب الالتفات) .
ولذا فالتلوين بالعدول في سياقات التوظيف القرآني للتراكيب يهدف أولًا وقبل كل شيء إلى إثبات فرادة النص الكريم، وثانيًا إلى تثوير الدلالات الجمالية المتولدة عن مثل هذا العدول. ولنحاول الآن الوقوف مع كل لون من هذه الألوان العدولية من خلال السياقات القرآنية، محاولين تلمس جماليات التوظيف النصي في هذه السياقات.
أولًا: العدول الرتبي (التقديم والتأخير الرتبي)
أصبح من المسلم به أن معنى الجملة ليس هو مجموع معاني المفردات التي تتألف منها، بل هو حصيلة تركيب هذه المفردات في نمط معين حسب قواعد لغوية محددة، تماما كما أن الساعة مثلًا، ليست مجموع القطع المعدنية التي تتألف منها، وإنما هي آلة تتكون من هذه القطع حسب قواعد معدنية، لتؤدي وظيفة لا تؤديها أي من القطع وحدها، ولا تؤديها كل القطع مجتمعة إلا إذا ركبت بطريقة محددة .
كما أن نسق الجملة وكيفية ترتيب الأجزاء فيها مما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في أثناء عملية الاختيار البنائي للجملة. يقول الجرجاني:"وإن أردت أن ترى ذلك عيانًا فاعمد إلى أي كلام شئت وأزل أجزاءه عن مواضعها وضعها وضعا يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو فيها فقل في:"
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
(من نبك قفا حبيب ذكرى منزل) ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها". ذلك لأن المعنى إنما يتولد فقط من ترتيب الألفاظ والعبارات، والمعاني هي معاني النحو بالتقديم والتأخير . ومعنى هذا أن لكل تركيب نظمه وترتيبه ومواقع ألفاظه، وقد صرح باسكال بأن الكلمات المختلفة الترتيب يكون لها معنى مختلف، وأن المعاني المختلفة الترتيب يكون لها تأثيرات مختلفة أيضا ."
إن تقديم ما هو متأخر، وتأخير ما هو متقدم لمناسبة تقتضي ذلك جائز لا مشاحة فيه. وهذا الجواز ليس مجانيًا، بل ما من مقدَّم أو مؤخَّر يُزَال عن موضعه إلا ويترك ظلالًا معنويةً يخالف الوضع الثاني فيها الوضع الأول، ومن ثم كان تقسيم التقديم إلى مفيد وغير مفيد، مما أثار حفيظة عبد القاهر فقال:"واعلم أن من الخطأ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين، فيجعل مفيدًا في بعض الكلام وغير مفيد في بعض، وأن يعلل تارةً بالعناية وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب، حتى تطرد لهذا قوافيه ولذلك سجعه، ذاك لأن من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى، فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلًا على الفعل في كثير من الكلام أنه قد اختص بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وفي كل حال، ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء أن يدعي أنه كذلك في عموم الأحوال، فأما أن يجعله شريجين فيزعم أنه للفائدة في بعضها، وللتصرف في اللفظ من غير معنى في بعض، فمما ينبغي أن يرغب عن القول به".
لقد حاول البلاغيون التدليل على اختلاف الدلالات باختلاف التراكيب بالتقديم والتأخير، واجتهدوا في بيان الفروق الدقيقة بين عبارات أصبحت رائجة في مصادرهم قديمها وحديثها من مثل: (زيدًا ضربتُ) ، و (ضربتُ زيدًا) ، و (زيدٌ المنطلقُ) ، و (المنطلقُ زيدٌ) ، و (جاءَ زيدٌ ضاحكًا) ، و (جاءَ ضاحكًا زيدٌ) . وكان تحليلهم لها مؤذنًا بفهم دقيق واعي. فمن ذلك مثلًا تفريقهم بين:
(يُتْبَعُ)