ـ [محفوظ فرج] ــــــــ [21 - 02 - 2008, 08:45 م] ـ
عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(إني أرى ما لا ترون، أطت السماء وحُقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى
والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى)
رواه الترمذي وقال حديث حسن رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين
الصفحة 189
مشاهد الصورة الفنية
إن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم هو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام مع استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته 00ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعًا ولا أقصد لفظا ولا أعدل وزنا ولا أجمل مذهبا ولا أكرم مطلبا ولا أحسن موقعا ولا أسهل مخرجا ولا أفصح معنى ولا أبين في فحوى من كلامه صلى الله عليه وسلم
البيان والتبيين / الجاحظ
في الحديث الشريف صورة غيبية ليست محسوسة صوّرها النبي صلى الله عليه وسلم
كما لو أن الذي يقرأ الصورة قد شاهدها معه حقيقة، لقد نقلها مجسدة تعج بالصوت والحركة
وإذا كانت الرؤيا في (زمن) ماضٍ فانه يمتد إلى جميع الأزمان، فالسماء
(المكان) المترامي الأطراف قد استوعب الأزمان وهو مسرح الصورة،
والصورة الفنية1 الأولى تتحرك من خلال الأفعال (أرى، ترون، أطّت، تأط) ولعل (واضعٌ، وساجدًا) بين الثبات والتحول هما مركز الصورة التي وردت على صيغة اسم الفاعل2 لكي لا يتحدد الزمن ولذالك لم يقل (يضع، يسجد) أو (وضع، سجد)
لقد افتتحت الرؤيا بالطباق3 الذي يدلل من الناحية النفسية على انفعاله (صلى الله عليه وسلم) وقلقه على أمته4 وهذا الطباق السلبي قد أفضى إلى تراسل الحواس المدهش فأول ما رأى صوت الاطيط (الرحل والقتب) ذلك ما يدلل على توحد الحواس واشتراكها في الرؤيا فلم يقل أسمع الأطيط وأرى الملائكة وهذا التراسل مما يساهم في تكثيف المشهد وتزاحم الصورة وتراكمها وإبعادها عن الميوعة والترهل ثم لا تلبث أن تدخل إلى المشهد المترامي الذي لا تحده حدود إلا وهو محصور في مخيلتك ليتحول إلى حقيقة (ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى) فإذا كان الأطيط صوت رحل على دابة في الأرض وهي آية من آيات لله فإن أطيط السماء قد تحول إلى ملك استوعب الملائكة كلهم وهم يضعون جباههم ساجدين لله تعالى
ويمكن للمخيلة أن ترى من خلال (المفرد) (الملك) أعدادًا لا تحصى من الملائكة
الساجدين لله، ولو تساء لنا عما أطر هذا المشهد وحصره بهذا الشكل لوجدنا إن القصر وهو توكيد بنفس الوقت (ما و إلآ) فقد قصر (صلى الله عليه وسلم) المكان (السماء) على الملائكة الساجدين.
ولو تتبعنا الصورة من وجه آخر وتعمقنا فيها وكيف ترامت بهذا الشكل سنجد الألف وهو حرف مد يفضي إلى امتدادها إيقاعًا وتصورًا
(فيها، أصابع، واضع، ساجدا، تعالى) ثم إن تكرار العين في المشهد
(وهي لم تدخل في كلام إلا وسمت به) لأنها أبعد مخرج فكأنها جاء ت لتساهم من طرف خفي في عمق الصورة (موضع، أربع، أصابع، واضع)
في المشهد الثاني المقابل للصورة الفنية الأولى تقدم عدم علم البشر على علمه (صلى الله عليه وسلم) في حين إنه (صلى الله عليه وسلم) قدم في المشهد الأول رؤياه على عدم رؤيتهم (إني أرى مالا ترون) (والله لو تعلمون ما أعلم)
فمن خلال المشهد الأول تبين علمه (صلى الله عليه وسلم) ولابد أن يكون المشهد الثاني مركزًا على عدم علمهم ولكن نفي العلم عنهم كان بواسطة الشرط المتضمن معنى النفي لأن عدم علمهم لم يعد غامضًا ولهذا كان النفي تلميحًا
دقيقا فكان (لو تعلمون) يقابل (لا ترون) وقد سبق ذلك بالتوكيد القسم
(يُتْبَعُ)