(والله) إن ذلك القسم المتتالي في لامات التوكيد التي هي أجوبة الشرط المعطوفة أعمق من أرى إلى أعلم وإذا كانت الصورة الأولى مدهشة فإن حذف المفعول به الذي كان خبرًا في (أطت السماء) تشير من خلال الرؤيا الأولى إن المفعول به سيكون أفظع هولًا وإن حذفه أبلغ6 من ذكره فوقع الحذف في النفس سيترك السامع تتداعى لديه أفنان من العلم لا تحده حدود فيكون حذفه أوقع من ذكره.
إن وقعه في الرؤيا التي حدثت في المشهد الأول يمكن أن تكون تمهيدًا يبنى عليه علم ما لا يمكن ذكره من شدة رهبته التي ستكون نتيجته ضحك وبكاء وهجر النساء في الفرش على الرغم من أنه غريزة لدى الإنسان
المشهد الثاني هو التحول من مشهد (الرؤية) إلى مشهد (العلم) وقد تراكمت أساليب التوكيد لتلتحم بالصورة الأولى القسم (والله) و (لام) التوكيد تكررت ثلاث مرات وما تراكم التوكيد إلا لأنه (صلى الله عليه وسلم) يعلم أن الاقتناع بمثل هذه الصور المدهشة التي لا يطيقها بنو البشر تحتاج إلى ما يؤكدها لاسيما وإن الدعوة الإسلامية ما زالت في بدايتها ومثلما كان المشهد الأول قد تراكمت فيه الحركة والصوت فإن الصورة الفنية الثانية قد تداعت فيها الأفعال لتصور سرعة التغير في الحركة والانفعال (تعلم، أعلم، ضحكتم، بكيتم، تلذذتم، خرجتم، تجأرون) إنها
صورة الأرض كلها تقابل صورة السماء كلها في المشهد الأول السماء(ما فيها
موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى)
أهل الأرض حين يبلغهم العلم(يضحكون، يبكون، يتركون التلذذ بالنساء
يخرجون إلى الصعدات يجأرون)وهذه الصورة تتحقق بالمقابلة بين جملة (لضحكتم قليلًا) وضدها (لبكيتم كثيرًا) إن هذا التناقض بين الحالتين يبعث على القلق والتوتر لعل انفعاله وقلقه على حال أمته (صلى الله عليه وسلم) كان له أثره في إيصاله الصورة الحية الداعية إلى عبادة الواحد الأحد
إن اسم الموصول (ما) لم يبق مجهولا في المشهد الأول فقد اتضح في الخبر
(أطت السماء وحق لها أن تئط) ولكنه في المشهد الثاني المقابل (ما أعلم) للأول ظل مجهولا ولكن الخبر وصف لنا (أثره في حال أهل الأرض) والحذف الذي حصل له أثر كبير إذ يدع المتلقي يتفكر ويتملى صورًا متعددة يرتفع أثرها إلى مستوى يكون الحال فيه الضحك والبكاء وهجر النساء والخروج إلى الطرقات واستغاثة البشر بصوت مرتفع إلى الله
إن وضوح الصورة وتناغمها الإيقاعي في التوازي الصرفي7
(ضحكتم، بكيتم، خرجتم) (قليلا، كثيرا) وتكرار (ما) أربع مرات كان يمثل انسجاما رائعا يمد الصور المتلاحقة وقعا نفسيا معبرا وتنتهي الصورة بالصوت
(تجأرون) فإذا كان صوت صورة السماء يبتدأ بالأط فإن صورة الأرض ستنتهي بصوت عالٍ يستغيث ولا بد لنا من أن نذكر البناء الذي اعتمد عليه (صلى الله عليه وسلم) فارتفع بالصورة كليًا إلى هذا المستوى ببيانه النافد
الرؤية السماء الأرض
إني أرى ما لا ترون والله لو تعلمون ما أعلم
توكيد بالحروف قدم رؤيته نفى الرؤية عن توكيد بالقسم قدم عدم المفعول به
على البشر البشر علمهم على اسم الموصول
علمه
الصوت
تجأرون إلى الله تعالى نهاية الصورة أثر الخبر صون عالي يستغيث وهو نتيجة لأثر الخبر في الصورة المتحركة أطّت السماء بداية الصورة الخبر أوله صوت السماء كصوت الرحل المفتتح للصورة المتحركة
النفي
ما تلذذتم بالنساء على الفرش ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى
حذف الخبر المفعول به والاكتفاء بأثره ذكر الخبر المفعول به
1ـ الصورة الفنية وهي ما يستعمل عادة للدلالة على كل ماله صلة بالتعبير الحسي وتطلق أحيانا مرادفة للاستعمال الاستعاري للكلمات / الصورة الفنية معيارا نقديا د. عبد الاله الصائغ ص 132 وينظر الصورة الادبية د. مصطفى ناصف ص 3
2ـ ان اسم الفاعل كما يقول يدل على الحدث والحدوث وفاعله / اسم الفاعل يدل على الحدث ويقصد به معنى المصدر وعلى الحدوث: أي التغير / معاني الأبنية في العربية د. فاضل صالح السامرائي ص46
3ـ الطباق هو الجمع بين الشيء وضده ينظر حسن التوسل الى صناعة الترسل الحبي شهاب الدين تحقيق أكرم عثمان
يوسف ص199
4ـ ينظر الطباق دلالة نفسية في شعر المتنبي د. علي كمال / مجلة المورد العراقية
المجلد /11 العدد 2 سنة 1982 م ص52
5ـ تراسل الحواس: هو وصف مدركات كل حاسة من الحواس بصفات مدركات الحاسة الاخرى. فتعطي المسموعات ألوانا وتصير المشمومات انغاما وتصبح المرئيات عاطرة / النقد الأدبي الحديث د. محمد غنيمي هلال ص419
6ـ قال عبد القاهر الجرجاني: وان اردت ان تزداد تبينا وجب اسقاط المفعول به لتتوفر العناية على اثبات الفعل لفاعله / ينظر دلاثل الاعجاز صححه وشرحة أحمد مصطفى المراغي المطبعة العربية ص 115
7ـ التوازن في الايقاع القولي العربي هو تعادل فقرات الكلام وجمله. أما التوازي فهو استمرار التوازن
الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية د. مجيد عبد الحميد ناجي ص 59
(يُتْبَعُ)