فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31936 من 36878

ـ [زيد الخيل] ــــــــ [28 - 10 - 2005, 09:48 م] ـ

نلحظ أن البطش واقع لا محالة، ومن قبل الله سبحانه وتعالى، فهو جار على حقيقيته، وهذا هو المثبت، فالبطش إنما يقع حقيقة في اليد ذات الطول والقوة والتحطيم، فإذا أريد به المجازية نقلناه الى المعنى الذي يصدر عادة من الجوارح، وهو هنا ـ والله العالم ـ ليس كذلك إذ لا يصدر عن يد، ولا يخرج من جارحة، فالله منزه عن الجوارح، بدلالة عقلية وهنا يأتي الإثبات محل الإشكال، فهو بطش لا كالبطش المعتاد، وانتقام لا كالانتقام المتعارف، وهو واقع دون شك، ولكن بغير الأدوات المعتادة، وإذا كان واقعا فالإثبات فيه حاصل، بل وأكثر من ذلك فقد أسند للبطشة الكبرى ليشمل جميع أصناف البطش، ويستوعب أشد نماذجه وأقساها، فهو كبير من كبير، وليس مما اعتاده البشر، ولا سمع به الناس، ويكفي في الدلالة على غير ذلك نسبته الى ذاته القدسية (إنا منتقمون) لتأكيد صرامة هذا البطش، وقوة هذه الإرادة، دون استعمال الوسائل المعتادة في البطش البشري، بل فوق تصور الإنسان، بل وليس في مقدوره الإحاطة بكنهه المتطاول، وقد جاء في إثباته من الوعيد الصارم، والترهيب القاطع ما هو جلي عند أهل اللسان.

إن هذه الملاحظة لا يمكن أن تنسب الى اللغة في دلالتها، وإنما يرجع فيها الى العقل في إشارته وتوجيهاته في الحمل على الإرادة المجازية في النظر العقلي.

ج ـ وقد تنقلب الحال فيقع المجاز في المثبت، وتكون الحقيقة في الإثبات، فمثال ما دخل المجاز في مثبته دون إثباته قوله تعالى:

(أوَ من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس. . .) (1) .

ويعقب عبد القاهر على ذلك، ويعده من باب المجاز اللغوي بناء على قاعدته السابقة: إذا وقع في الإثبات فالمجاز عقلي، وإذا وقع في المثبت فالمجاز لغوي، يقول:

«وذلك أن المعنى والله أعلم، على أن جعل العلم والهدى والحكمة

(1) الأنعام: 122.

حياة للقلوب على حد قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا. . .) (1) .

فالمجاز في المثبت وهو الحياة، فأما الإثبات فواقع على حقيقته لأنه ينصرف الى أن الهدى والعلم والحكمة فضل من الله وكائن من عنده. ومن الواضح في ذلك قوله تعالى: (فأحيينا به الأرض بعد موتها) (2) وقوله تعالى: (إن الذي أحياها لمحي الموتى) (3) . جعل خضرة الأرض ونضرتها وبهجتها بما يظهره الله تعالى فيها من النبات والأنوار والأزهار وعجائب الصنع حياة لها؛ فكان ذلك مجازا في المثبت من حيث جعل ما ليس بحياة حياة على النسبية، فأما نفس الإثبات فمحض الحقيقة لأنه إثبات لما ضرب الحياة مثلا له فعلا لله تعالى، ولا حقيقة أحق من ذلك (4) .

ويتابع عبد القاهر تقرير حقيقة الفصل بين المجاز اللغوي والعقلي، بما يشبه الحكم القاطع الذي لا تردد معه، فيقول:

ومما يجب ضبطه في هذا الباب أن كل حكم يجب في العقل وجوبا حتى لا يجوز خلافه فإضافته الى دلالة اللغة، وجعله مشروطا فيها محال، لأن اللغة تجري مجرى العلامات والسمات، ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلا عليه وخلافه (5) .

2 ـ ولما كان المجاز العقلي إنما يعرف باعتبار طرفيه، وهما المسند والمسند إليه، لأنه إنما يقع في الجملة، والجملة تعرف بالتركيب، ولا علاقة لذلك بالألفاظ ذاتها دون إسنادها، لأنه ليس من باب اللفظ المفرد فينظر له بالاستعارة، ولا يرى في الكلمة المنقولة عن الأصل فينظر له في المجاز المرسل، وإنما هومكتشف من الإسناد وما يؤول اليه المعنى في

(1) الشورى: 52.

(2) فاطر: 9.

(3) فصلت: 39.

(4) عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة: 343 وما بعدها.

(5) المصدر نفسه: 347.

ضوئه، والإسناد يعرف بطرفيه، وهذان الطرفان في المجاز العقلي في القرآن لهما صيغ مختلفة تحدد بما يأتي:

أ ـ الطرفان حقيقيان: ولا علاقة لهما بالمجاز منفردين إلا بضم بعضهما الى البعض الآخر كقوله تعالى: (وأخرجت الأرض أثقالها *) (1) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت