ـ [جمال حسني الشرباتي] ــــــــ [26 - 07 - 2005, 06:24 ص] ـ
قال العلامة البحر الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن مايلي
معرفة المحكم من المتشابه
قال الله تعالى) منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات (1 قيل ولا يدل على الحصر في هذين الشيئين فإنه ليس فيه شيء من الطرق الدالة عليه وقد قال) لتبين للناس ما نزل إليهم(2 والمتشابه لا يرجى بيانه والمحكم لا توقف معرفته على البيان
وقد حكى الحسين بن محمد بن حبيب النيسابوري في هذه المسألة ثلاثة أقوال
أحدها أن القرآن كله محكم لقوله تعالى)كتاب أحكمت آياته(3
والثاني كله متشابه لقوله تعالى)الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها(4
والثالث وهو الصيح أن منه محكما ومنه متشابها لقوله تعالى)منه آيات محكمات هن أم الكتاب(5
فأما المحكم فأصله لغة المنع تقول أحكمت بمعنى رددت ومنعت والحاكم لمنعه الظالم من الظلم وحكمه اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب
وأما في الاصطلاح فهو ما أحكمته بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام
وقيل هو مثل قوله تعالى)وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة(1
وقيل هو الذي لم ينسخ لقوله تعالى)قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم (2 وقوله) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه(3 إلى آخر الآيات وهي سبعة عشر حكما مذكورة في سورة الأنعام وفي سورة بني إسرائيل
وقيل هو الناسخ
وقيل الفرائض والوعد والوعيد
وقيل الذي وعد عليه ثوابا أو عقابا وقيل الذي تأويله تنزيله بجعل القلوب تعرفه عند سماعه كقوله)قل هو الله أحد (4) ليس كمثله شيء(5
وقيل مالا يحتمل في التأويل إلا وجها واحدا
وقيل ما تكرر لفظه
وأما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني كما قال تعالى
في وصف ثمر الجنة)وأتوا به متشابها(6 أي متفق المناظر مختلف الطعوم
ويقال للغامض متشابه لأن جهة الشبه فيه كما تقول لحروف التهجي والمتشابه مثل المشكل لأنه أشكل أي دخل في
شكل غيره وشاكله واختلفوا فيه
فقيل هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا
وقيل هو المنسوخ الغير معمول به
وقيل القصص والأمثال وقيل ما أمرت أن تؤمن به وتكل علمه إلى عالمه
وقيل فواتح السور
وقيل ما لا يدرى إلا بالتأويل ولا بد من صرفه إليه كقوله)تجري بأعيننا (1 و)
على ما فرطت في جنب الله(2 وقيل الآيات التي يذكر فيها وقت الساعة ومجيء
الغيث وانقطاع الآجال كقوله)إن الله عنده علم الساعة(3
وقيل ما يحتمل وجوها والمحكم ما يحتمل وجها واحدا وقيل مالا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره وقيل غير ذلك وكلها متقارب
وفصل الخطاب في ذلك أن الله سبحانه قسم الحق بين عباده فأولاهم بالصواب من عبر بخطابه عن حقيقة المراد قال
سبحانه)وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (4 ثم قال) ثم إن علينا بيانه (5 أي على
لسانك وألسنه العلماء من أمتك وكلام السلف راجع إلى المشتبه بوجه لا إلى المقصود المعبر عنه بالمتشابه في
خطابه لأن المعاني إذا دقت تداخلت وتشابهت على من لا علم له بها كالأشجار إذا تقارب بعضها من بعض تداخلت
أمثالها (6) واشتبهت أي على من لم يمعن النظر في البحث عن منبعث كل فن منها قال تعالى) وهو الذي أنشأ
جنات معروشات (7 إلى قوله) متشابها(وهو على اشتباكه غير متشابه وكذلك سياق معاني القرآن العزيز قد
تتقارب المعاني ويتقدم الخطاب بعضه على بعض ويتأخر بعضه عن بعض لحكمة الله في ترتيب الخطاب والوجود
فتشتبك المعاني وتشكل إلا على أولي الألباب فيقال في هذا الفن متشابه بعضه ببعض وأما المتشابه من القرآن
العزيز فهو يشابه بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز والبشارة والنذارة وكل ما جاء به وأنه من
عند الله فذم سبحانه الذين يتبعون ما تشابه منه عليهم افتتانا وتضليلا فهم بذلك يتبعون ما تشابه عليهم تناصرا
وتعاضدا للفتنة والإضلال
تفريعات
الأول
الأشياء التي يجب ردها عند الإشكال إلى أصولها
فيجب رد المتشابهات في الذات والصفات إلى محكم)ليس كمثله شيء (1
(يُتْبَعُ)