ـ [الامين] ــــــــ [04 - 07 - 2005, 12:45 ص] ـ
المحكم والمتشابه يحصل من الاستعدادات المكنونة في الانسان المختلفة غاية الاختلاف فإذا اُلقي خطاب في مجمع أو اُلقي درس في جامعة، أو ألقينا مثلًا سائرًا بين الناس، فمنهم من لا يتجاوز فهمه الصريح المحض، ومنهم من يتجاوز ذهنه إلى اللوازم القريبة منه، ومنهم من يتعدى إلى الأكثر عمقًا ويتجاوز إلى اللوازم والملزومات البعيدة أيضًا، خصوصًا إذا كان الدرس من العلم الذي هو فوق المادة والمحسوس.
والخلاصة الكلام أن المحكم والمتشابه هما من الامور الفطرية المستندة الى الاستعداد ـ أو الدرك ـ الذي هو أمر غير اختياري، فهما يرجعان إلى الاستعدادت المتفاوته في الانسان ومن ذلك ينشأ الاختلاف في مراتب الاستفادة وتحصيل العلوم ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه واله وصحبه أنه قال: إنا معاشر الأنبياء اُمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم.
وكيف كان فالذي يهمنا لآن هو ما المقصود بالآيات المحكمة والمتشابهة؟
«المحكم» من «الإحكام» وهو المنع. ولهذا يقال للمواضيع الثابتة القويّة «محكمة» أي أنّها تمنع عن نفسها عوامل الزوال. كما أنّ كلّ قول واضح وصريح لا يعتوره أيّ احتمال للخلاف يقال له «قول محكم» .
وعليه فإنّ الآيات المحكمات هي الآيات ذات المفاهيم الواضحة التي لا مجال للجدل والخلاف بشأنها، كآية: (قل هو الله أحد) و (ليس كمثله شيء) و (الله خالق كلّ شيء) و (للذكر مثل حظّ الأُنثيين) وآلاف أُخرى مثلها ممّا تتعلّق بالعقائد والأحكام والمواعظ والتواريخ، فهي كلّها من «المحكمات» .
هذه الآيات المحكمات تسمّى في القرآن «أُمّ الكتاب» أي هي الأصل والمرجع والمفسّرة والموضّحة للآيات الأُخرى.
و «المتشابه» هو ما تتشابه أجزاؤه المختلفة، أو ما لا يعرف المراد منه الا بالقرينة. فالجمل والكلمات التي تكون معانيها معقّدة وتنطوي على احتمالات مختلفة، توصف بأنّها «متشابهة» . وهذا هو المقصود من وصف بعض آيات القرآن بأنها «متشابهات» ، أي الآيات التي تبدو معانيها لأوّل وهلة معقّدة وذات احتمالات متعدّدة، ولكنّها تتّضح معانيها بعرضها على الآيات المحكمات.
مثل قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) لا يعرف بدوًا المراد منه إلا بالرجوع إلى قوله تعالى (ليس كمثله شيء) فيعرف أن المراد منها ـ أي من لفظ اليد ـ القوة والاحاطة، أو القدرة.
وكذا قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفًا صفًا) يعرف المراد منه بالرجوع إلى قوله تعالى (ليس كمثله شيء) بان معناه جاء امر الله أو عذاب الله أو جاء قضاء الله أو جاء رحمة الله وغفرانه
ولابدّ من الإشارة إلى أنّ كلمتي «المحكم والمتشابه» قد وردتا في القرآن بمعنى آخر. ففي أوّل سورة هود نقرأ: (كتابٌ أُحكمت آياته) فهنا أُشير إلى أنّ جميع آيات القرآن محكمات، والقصد هو قوّة الترابط والتماسك بينها. وانها احكمت في النظم والاتقان، وانها جميعًا فصيحة اللفظ، صحيحة المعنى.
وفي الآية 23 من سورة الزمر نقرأ: (كتابًا متشابهًا) أي الكتاب الذي كلّ آياته متشابهات، وهي هنا بمعنى التماثل من حيث صحّتها وحقيقتها، وان بعضه يشبه بعضًا في البلاغة والهداية وبديع الاُسلوب قال الامام علي (عليه السلام) : القرآن ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض. فلا تهافت بين الايات الثلاث بعد اختلاف الجهة.
فيتّضح ممّا قلنا بشأن المحكم والمتشابه أنّ الإنسان الواقعيّ الباحث عن الحقيقة لابدّ له لفهم كلام الله أن يضع الآيات جنبًا إلى جنب ثمّ يستخرج منها الحقيقة. فإذا لاحظ في ظاهر بعض الآيات إبهامًا وتعقيدًا، فعليه أن يرجع إلى آيات أُخر لرفع ذلك الإبهام والتعقيد ليصل إلى كنهها.
ونستطيع أن نشبه الآيات المحكمات في الواقع أشبه بالشارع الرئيسي، والمتشابهات أشبه بالشوارع الفرعية، ولا شكّ أنّ المرء إذا تاه في شارع فرعي سعى للوصول إلى الشارع الرئيسي ليتبيّن طريقه الصحيح فيسلكه.
(يُتْبَعُ)