ـ [عزام محمد ذيب الشريدة] ــــــــ [18 - 05 - 2005, 09:29 ص] ـ
يجيب الجرجاني ذاكرًا كلام سيبويه عن التقديم والتأخير وتفسير النحويين له فيقول: واعلم أََنّا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئًا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، ومعنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعلٍ ما، أن يقع بإنسان بعينه ولا يبالون من أوقعه، (فإذا حدث الفعل) وأراد مُريد الإخبار بذلك قَدَّم المفعول على الفاعل، (وبهذا ينصب الفعل على المفعول) لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا شخص الفاعل جدوى وفائدة. فإذا وقع الفعل من شخص ليس من عادته فعل هذا الفعل، وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدم ذكر الفاعل, (وبهذا ينصب الفعل على الفاعل) ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس طرافته وندرته، ومعلوم أنه لم يكن نادرًا وبعيدًا من حيث كان واقعًا بالذي وقع به, ولكن من حيث كان واقعًا من الذي وقع منه. (1)
وهذا يدل على أن المباني تترتب بالمنزلة والأهمية أصلًا وعدولًا من أجل الهدف المعنوي. ولكن الجرجاني يرفض اقتصار التعليل على العناية والاهتمام، من دون ذكر مصدر هذه العناية، وبم كان أهم" (2) وأظنه قد أصاب عندما رفض هذه المفردة العامة والموجزة، فلا بد من تفسير وتوضيح للعناية والاهتمام وإن كان التقديم لا يقتصر على الهدف المعنوي."
ولذلك ينبغي التفرقة بين الأهمية كأساس وبين الأهمية كهدف نسعى إليه وبين التقديم بالأهمية وللأهمية.
1 -الجرجاني -دلائل الإعجاز-ص ص 108 - 108
2 -المصدر نفسه، ص 108
فعميلة تقديم عنصر لغوي مضبوطة بالمنزلة, من أجل هدف معين, فالأساس الذي تتم عملية التقديم والتأخير بناءً عليه هو المنزلة (قوة العلاقة المعنوية) من أجل هدف قد يكون معنويًا, أو بلاغيًا, أو أمنًا للبس .... إلخ.
وكما تترتب الجملة في الأصل بناءً على الضابطين المعنوي واللفظي، فهي تترتب بناءً عليهما في العدول، ولأهدافٍ كثيرة، وتفصيل ذلك كما يلي: -
أ- العدول عن أصل الرتبة بالضابط المعنوي:-
1 -للهدف المعنوي:-
ويظهر هذا من خلال الأمثلة التالية:-
فمن ذلك قوله تعالى: (أَئِفكا آلهةً دونَ اللهِ تريدون) (الصافات 86) وهذه الآية تترتب من العام إلى الخاص عدولًا, والأصل فيها أتريدون آلهة دون الله إفكًا"ثم انظر إلى حسن عكس الرتبة بإيراد المفعول لأجله أولًا, ثم المفعول به الموصوف بشبه الجملة, ثم الفعل وفاعله، فالآية كما تعلم استفهام إنكاري, وما دام معناها الإنكار فإن ترتيب ألفاظها ينبغي أن يكون بحسب الأولوية في استحقاق الإنكار، وأول الألفاظ بالإنكار لفظ"إفكا"لأن الكفر قد يكون ميراثًا عن الآباء, ولكنه قد يكون انحرافًا عن الحق متعمدًا لا ينفع معه الدليل على فساده, فذلك هو الإفك, ثم يلي في الإنكار أن يذهب الإفك عن إشراك آلهة مع الله, فإذا كانت الآلهة دون الله لا معه فهذا أوغل في الشرك، ويضاعف من سوء ذلك كله أن يكون ذلك بإرادتهم واختيارهم ولو أن سياق الكلام كان على صورة أخرى مثل"أتريدون آلهة دون الله إفكًا"لانطفأ كل ما في الكلام من حرارة الإنكار, ولبدا الكلام وكأنه سؤال لهم عما يفضلونه من أنواع الشرك" (1) "وقد وجدنا أن المفعول لأجله وهو آخر الأبواب النحوية ترتيبًا قد تصدر هذا الشاهد يتلوه المفعول به ونعته، وذلك لأن أول ما تعلق به الاهتمام هو السببية التي عبر عنها المفعول لأجله، لأن الكفر عن ضلال قد ترجى له الهداية, أما الكفر عن إفك فذلك انحراف مع تدبير وكيد وإصرار" (2) .
(يُتْبَعُ)