ـ [زيد الخيل] ــــــــ [28 - 10 - 2005, 09:36 م] ـ
الفصل الثاني
مجاز القرآن وأبعاده الموضوعية
1ـ حقيقة المجاز بين اللغة والاصطلاح
2ـ وقوع المجاز في القرآن
3 ـ تقسيم المجاز القرآني
4 ـ مجاز القرآن: عقلي ولغوي
1 ـ حقيقة المجاز بين اللغة والاصطلاح
يبدو أن المعنى الاصطلاحي لحقيقة المجاز مستمد من الأصل اللغوي، فلقد نقل ابن منظور (ت: 711 هـ) قول اللغويين:
«جزت الطريق، وجاز الموضع جوازا ومجازا: سار فيه وسلكه، وجاوزت الموضع بمعنى جزته، والمجاز والمجازة الموضع (1) .
وكان عبد القاهر الجرجاني (ت: 471 هـ) قد كشف العلاقة بين اللغة والاصطلاح في اشتقاق لفظ المجاز، فالمجاز عنده: «مفعل من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، وإذا عدل باللفظ عما نوجبه أصل اللغة، وصف بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكان الذي وضع به أولا» (2) .
وهو لايكتفي بذلك حتى يحدد العلاقة بين الأصل والفرع في عملية العدول عن أصل اللغة، أو النقل الذي يثبت إرادة المجاز لهذا اللفظ أو ذاك دون الاستعمال الحقيقي فيقول: «ثم إعلم بعد: إن في إطلاق المجاز على اللفظ المنقول عن أصله شرطا؛ وهو أن الأسم يقع لما تقول أنه مجاز فيه بسبب بينه وبين الذي تجعله فيه» (3) .
وهذا يعني مضافا لما سبق: مجانسة المعنى المنقول له اللفظ الى معناه الأولي حيث توافر المناسبة في وجه النقل كتسمية الاعتدال غصنا،
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة: جاز.
(2) عبد القاهر، أسرار البلاغة: 365.
(3) المصدر نفسه: 365.
والقوام بانا، والحلم طودا، لافتراع الغصن استقامة، ورشاقة البان طولا، ورسوخ الطود ثباتا. فجاء النقل متساوقا في مناسبته مع المعاني الجديدة دون النبو عنها في شيء.
والطريف عند عبد القاهر أن يعود ليؤكد المناسبة القائمة بين اللغة والاصطلاح في اشتقاق المجاز، متناولا قضية الوضع الحقيقي، وتجاوزه الى المعنى الثانوي المستجد في المجاز، فيقول: «وأما المجاز فكل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول، فهي مجاز، وإن شئت قلت:
كل كلمة جزت بها. ما وقعت له في وضع الواضع الى ما لم توضع له من غير أن تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز إليه وبين أصلها الذي وضعت له في وضع واضعها، فهي مجاز» (1) .
وهذا التعقيب لرأي عبد القاهر في الموضوع ليس عبثا، بل منطلق من اعتبار عبد القاهر مرجعا في هذا النص، ومصدرا من مصادر التفريق بين الجزئيات المتقاربة في الحدود والتعريفات ومتمرسا في اكتشاف ما بين الأصول والفروع من أواصر وصلات.
ومن هنا يبدوا أن التقرير اللغوي متحدر من التبادر الذهني للفظ المجاز، وأن التحديد الاصطلاحي له نابع من الأصل اللغوي، وذلك فيما وضعه أبو يعقوب السكاكي (ت: 626 هـ) موضع القانون الذي لا يعدل ولا يناقش، فيقول:
«المجاز هنا هو الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له بالتحقيق استعمالا في الغير بالنسبة الى نوع حقيقتها مع قرينة مانعة عن إرادة معناه في ذلك النوع» (2) .
وهذا التحديد ـ كما تراه ـ لا يخلو من بعد منطقي في التعبير، وأثر علم المنطق واضح في تخريجات السكاكي في هذا وسواه.
(1) عبد القاهر، أسرار البلاغة: 325.
(2) السكاكي، مفتاح العلوم: 170.
ويبدوا أن اللغويين والبلاغيين معا، لم يأتوا بجديد في الموضوع، وإنما تمايزوا بالأداء المختلف، واتفقوا على الأصل، وقد سبقهم أبو الفتح عثمان بن جني (ت: 392 هـ) في التوصل الى كنه هذا الأصل حينما عرف الحقيقة ببساطة، وحدد المجاز بما يقابلها بقوله: «فالحقيقة ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضد ذلك» (1) .
(يُتْبَعُ)