ويترجح عندي وجود علاقة قائمة بين التعريف لغة واصطلاحا؛ وذلك لتقارب الأسر اللغوي للمعنى الاصطلاحي، وانبثاق الحد الاصطلاحي عنه، وهو الاجتياز والتخطي من موضع الى موضع، وهذا ما يكشف عن سر العلاقة المدعاة بين استعمال المجاز لغة واستعماله اصطلاحا، فكما يجتاز الإنسان، ويتنقل في خطاه من موضع الى موضع، فكذلك تجتاز الكلمة وتتخطى حدودها بمرونتها الاستعمالية من موقع الى موقع، ويتجاوز اللفظ محله من معنى الى معنى، مع إرادة المعنى الجديد بقرينة تدل على ذلك؛ فيكون أصل الوضع باقيا على معناه اللغوي، والنقل إضافة لغوية جديدة في معنى جديد، وبهذا يبدو لنا أن المجاز يتضمن عملية تطوير لدلالة اللفظ المنقول المعنى، وتحميله المعنى المستحدث بما لا يستوعبه اللفظ نفسه لو ترك واصل وضعه الحقيقي (2) .
وكان التحرر من الضيق اللفظي، والانطلاق في مجالات الخيال، والتأثر بالوجدان النفسي، والحنين الى العاطفة الصادقة، والاتساع في رحاب اللغة، والتوجه نحو الحياة الحرة الطليقة: أساس هذا الاستعمال، فرارا من الجمود، وتهربا من التقوقع في فلك واحد، حول محور واحد.
وفي ضوء هذا الفهم جديدا كان أو مسبوقا، فإن ما يقال عن المجاز في تعبيره الموحي بالمعاني الجديدة، وتركيزه على استكناه الصور الإبداعية، فإنه ينطبق على التشبيه والاستعارة باعتبارهما استعمالين مجازيين، مع فرض وجود العلاقة الدالة على المعنى المستحدث.
وليس هذا الفهم جديدا، بل هو مفهوم الأوائل للاستعمال المجازي،
(1) ابن جني، الخصائص: 2/ 442.
(2) ظ: المؤلف، أصول البيان العربي: 35.
فالجاحظ (ت: 255 هـ) كمعاصريه يعبر عن الاستعارة والتشبيه والتمثيل جميعا بالمجاز، ويبدو هذا جليا في أغلب استعمالات الجاحظ البيانية التي يطلق عليها اسم المجاز، وهي عبارة عن مجموعة العناصر البلاغية في النص الأدبي التي تكون المفهوم النقدي الحديث للصور الفنية (1) .
ولا يعتبر هذا رجوعا الى الوراء في التماس حقائق الأشياء، ولكنه إفادة موضوعية من القديم لرصد الجديد وتحقيقه، لذلك فقد يلتبس الأمر بين المجاز والتشبيه والاستعارة، ولكن التمييز الدقيق يقتضي الفصل والتفريق بين هذه الظواهر البيانية المتجاورة، ويتم ذلك بالنظر الى الكلام العربي عن كثب:
أ ـ فإن أريد فيه التوسع مطلقا دون سواه فهو المجاز.
ب ـ وإن أريد فيه التشبيه التام في ذكر المشبه والمشبه به وأداة التشبيه مع وجود وجه الشبه، أو حذف أداة التشبيه مع ذكر وجه الشبه، أو انعدام أوجه التشبيه من جهة وتوافقه من جهة أخرى مع ذكر أداة التشبيه، أو حذفهما معا فهو التشبيه دون ريب.
ج ـ وإن أريد التشبيه في ذكر الشبه وحذف المشبه به؛ فهو الاستعارة (2) .
إذن فالتحديد المانع هو الذي يقتضي الفصل بين هذه المتقاربات، لأن في المجاز توسعا ونقلا وتجوزا في الألفاظ يختلف عما يراه في التشبيه والاستعارة.
وعلى هذا فالمجاز حدث لغوي فضلا عن كونه عنصرا بلاغيا نابضا بالاستنارة والعطاء، هذا الحدث يفسر لنا تطور اللغة العربية الفصحى بتطور دلالة ألفاظها على المعاني الجديدة، والمعاني الجديدة في عملية ابتداعها لا يمكن إدراكها الا بالتعبير عنها، والتصوير اللفظي لها، وذلك لا يتحدد بزمن أو بيئة أو إقليم، وإنما هو متسع للعربية في أعصارها وأدوارها
(1) الجاحظ في استعمالاته لإطلاق المجاز، الحيوان 5: 23 ـ 34.
(2) ظ: المؤلف، أصول البيان العربي: 40.
وتواجدها، وتنقلها في تخطي حدودها الجغرافية الى بقاع الأرض المختلفة، والمجاز خير وسيلة للتعبير عن هذا الاتساع بما يضيفه من قرائن، وبما يضفيه من علاقات لغوية مبتكرة، توازن بين الألفاظ والمعاني في الشكل والمضمون، وتلائم بين عمليتي الإبداع والتجديد في دلالة اللفظ الواحد للخروج في اللغة الى ميدان أوسع. والتطلع بها نحو أفق رحيب.
ولما كان القرآن العظيم اساس العربية ودستورها، كان المجاز فيه أحد قسيمي الكلام، وهما: الحقيقة والمجاز.
(يُتْبَعُ)