وسنرصد في الصفحات التالية وقوعه في القرآن بشكل لا يقبل الشك استقراء ومجانسة وبيانا
2 ـ وقوع المجاز في القرآن
ومجاز القرآن في الذروة من البيان العربي، فالقرآن كتاب العربية الأكبر، وهو ناموسها الاعظم، يحرس لغتها من التدهور، ويحفظ أمدادها من النضوب، ويقوّم أودها من الانحطاط. وقد كان إعجازه البياني موردا متأصلا من موارد إعجازه الكلي، وتفوقه البلاغي حقيقة ناصعة من تفوقه في الفن القولي، وقد وقف العرب عاجزين أمام حسّه المجازي، وبعده التشبيهي، ورصده الاستعاري، وتهذيبه الكنائي، وأعجبوا أيما إعجاب بوضع ألفاظه من المعنى المراد حيث يشاء البيان السّمح؛ والإرادة الاستعمالية المثلى، تأنقا في العبارة، وتحيزا للمعاني؛ فلا غرابة أن يكون القرآن مصدرا للثروة البلاغية الكبرى عند العرب، وأصلا لتفجير طاقات تلك البلاغة، والمجاز منها عقدها الفريد.
ولذلك يرى بعض البلاغيين: «إن المجاز هو علم البيان بأجمعه، وأنه أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة؛ لأن العبارة المجازية تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى أنه ليسمح بها البخيل ويشجع الجبان» (1) .
(1) أحمد مطلوب، فنون بلاغية: 84 وانظر مصادره.
ومن نافلة القول التوسع في بحث إمكان وقوع المجاز في القرآن دون طائل، فقد ثبت وقوعه دون أدنى شك في كوكبة متناثرة من ألفاظه تعد في القمة من الأستعمال البياني.
فقد رد عبد القاهر (ت: 471 هـ) القول بحمل اللفظ على ظاهره في كل من قوله تعالى:
أ ـ (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) (1) .
ب ـ (وجاء ربّك) (2) .
ج ـ (الرحمن على العرش استوى *) (3) .
وأوجب أن يكون مجازا لا محالة لأن الإتيان والمجيء انتقال من مكان الى مكان، وصفة من صفات الأجسام، وأن الاستواء إن حمل على ظاهره لم يصح الا في جسم يشغل حيّزا، ويأخذ مكانا، والله عزّوجلّ خالق الأماكن والأزمنة، ومنشيء كل ما تصح عليه الحركة والنقلة والتمكن والسكون والانفصال والاتصال والمماسة والمحاذاة (4) .
إن ما أوّله عبد القاهر في مقارنته بين معاني هذه الآيات الظاهرة، ومعانيها الإيحائية الأخرى، قد دلّه بالنظر العقلي الى مواطن الضرورة في القول بوقوع المجاز في القرآن، وإلا وقعنا بالتجسيد تارة، واصطدمنا بإشغال المكان بالنسبة اليه تارة أخرى، وهذا باطل من الأساس في العقيدة، كما أننا قد نقع في لبس وحيف عظيمين لو لم نقل بالمجاز، ولنسبنا الظلم لله تعالى دون دراية وبدراية بهذه النسبة المفتراة. انظر الى قوله تعالى:
(ومن كان في هذه اعمى فهو في الأخرة أعمى وأضل سبيلا *) (5) .
(1) البقرة: 210.
(2) الفجر: 22.
(3) طه: 5.
(4) ظ: عبد القاهر، أسرار البلاغة: 362.
(5) الإسراء: 72.
فإن حملنا هذه الآية على ظاهرها، وهو عمى العين، فيكون المعنى من كان في الحياة الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى العين، بل وأضل سبيلا!!
وفي هذا نسبة عين الظلم له تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فما هو ذنب من خلقه أعمى في الدنيا أن يحشره أعمى في الآخرة؟ وما هو المراد حينئذ بـ: أضل سبيلا، فهل هذا مكافأة على عماه البصري في الدنيا، فإن حملنا هذا على الظاهر فالأعمى في الدنيا ضال عن السبيل، وهو أضل له في الآخرة، ولا ملازمة بين العمى البصري وبين الضلال عن الدين على الاطلاق، إذن لا بد من حمل العمى على الاستعمال المجازي في الموردين، ليناسب مع الضلال، فيستقيم المعنى القرآني، وينزه الله تعالى، فيكون المعنى الثانوي هو المراد، وهو ـ والله العالم ـ من كان في حياته الدنيا ضالا عن الحق، متعاميا عن الصراط المستقيم، زائغا عن سنن رب العالمين، مكذبا لأنبيائه ورسله، مستهزئا بتعليماته وتشريعاته، فقد كتب له الضلال في الدنيا نتيجة تصرفه وسلوكه، فهو كالأعمى الذي لا يبصر ما حوله، وأبصار الدين بين واضح ولكنه تعامى عنه، وإذا كانت هذه حالة في الدنيا، فهو في الآخرة أضل سبيلا فلا يهتدي الى نور يستنقذه، أو الى شفيع يأخذ بيده،
(يُتْبَعُ)