فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31911 من 36878

فهو في ظلمات متعاقبة، متداخلة، كمن وهب حاسة البصر ولم يعملها ويستفد منها في تمييز المرئيات فشأنه شأن فاقدها، فهو أعمى كما كان ذلك أعمى، وأذا عمي الانسان عن السبيل الحق في الدنيا، ولم يعمل عمله، كان في الآخرة أشد حيرة وضلالا، إذ قدم على ما عمل فوجده هباءً منثورا، ولما يقدم لنفسه في حياته ما يستنير به بعد وفاته. وهذا ما يوضح مجازية الآية، وبدلالة القرآن نفسه في قوله تعالى:

(ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى *) (1) .

(1) طه: 124 ـ 126.

وفي الآيات هذه عدة شواهد على مجازية الآية السابقة، وعلى مجازية الآيات نفسها في عدة دلائل منها:

1 ـ إن المعنى: يحشر أعمى البصر، وقيل أعمى عن الحجة، أي لا حجة يهتدي إليها.

قال الفراء: «يقال أنه يخرج من قبره بصيرا في حشره» (1) .

وفي ذلك دلالة على أن لا ملازمة بين العمى الحقيقي ـ في الآية السابقة ـ وبين الضلال. فقد يحشر البصير في هذه الدنيا أعمى في الآخرة، وهذا العمى قد يكون على ظاهره كما حمله أبو زكريا الفراء وقد يكون مجازه كما روى ذلك معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام ـ يعني الإمام جعفر بن محمد الصادق ـ عن رجل لم يحج وله مال، قال هو ممن قال الله (ونحشره يوم القيامة أعمى) فقلت سبحان الله أعمى، قال أعماه الله عن طريق الحق (2) . قال الطبرسي (ت: 548 هـ) فهذا يطابق قول من قال: إن المعنى في الآية أعمى عن جهات الخير لا يهتدي لشيء منها (3) .

2 ـ وكما حشر أعمى حينما أعرض في حياته الدنيا عن القرآن ودلائل الشريعة، وسنن النبوة، ونسي آيات الله، فقد صكّ (فكذلك اليوم تنسى) أيها الناسي، فتصير بمنزلة من ترك كالمنسي بعذاب لا يفنى.

3 ـ وقيل معناه: كما حشرتك أعمى، لتكون فصيحة؛ كنت أعمى القلب، فتركت آياتي ولم تنظر فيها، وكما تركت أوامرنا فجعلتها كالشيء المنسي، تترك اليوم في العذاب كالشيء المنسي (4) .

فالمجازية في إضراب هذه الألفاظ متواترة الورود في الروايات ومقتضاة لضرورة المعاني.

والطريف أننا لو رجعنا الى المصادر التراثية في تفسير تلك الألفاظ وأمثلها، لكان ذلك وحده كافيا للاستدلال بوقوع المجاز في القرآن؛ وانظر الى جمهرة الأقوال في شتى شؤونها بالنسبة للآية موضوع البحث، وإنما أكدنا عليها لأن دلالتها واضحة تكاد لا تخفى على السواد، فكيف

(1 ـ 4) ظ: الطبرسي، مجمع البيان: 4/ 34 ـ 35.

بالعلماء، وهذه بعض مميزات النص القرآني أن يكون بعضه مفهوما بين الناس دون عناء.

ذكر في معنى قوله تعالى: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الأخرة أعمى وأضلّ سبيلا *) (1) عدة أقوال:

إن هذه إشارة الى ما تقدم ذكره من النعم، ومعناه: أن من كان في هذه النعم، وعن هذه العبر أعمى، فهو عما غيّب عنه من أمر الآخرة أعمى. روي ذلك عن ابن عباس.

2 ـ إن هذه الإشارة الى الدنيا ومعناه: من كان في هذه الدنيا أعمى عن آيات الله ضالا عن الحق، ذاهبا عن الدين، فهو في الآخرة أشد تحيرا وذهابا عن طريق الجنة، أو عن الحجة إذا سئل، فإن من ضل عن معرفة الله في الدنيا، يكون يوم القيامة منقطع الحجة، فالأول اسم، والثاني فعل من العمى.

3 ـ إن معناها من كان في الدنيا أعمى القلب، فإنه في الآخرة أعمى العين، يحشر كذلك عقوبة له على ضلالته في الدنيا، روي ذلك عن أبي مسلم، محمد بن بحر، قال فهذا كقوله تعالى: (ونحشره يوم القيامة أعمى) (2) . . . وعلى هذا فليس يكون قوله (فهو في الأخرة أعمى *) على سبيل المبالغة والتعجب وإن عطف عليه بقوله: (وأضلّ سبيلا *) ويكون التقدير: وهو أضل سبيلا. قال: ويجوز أن يكون أعمى: عبارة عما يلحقه من الغم المفرط، فإنه إذا لم ير إلا ما يسوء فكأنه أعمى، كما يقال: فلان سخين العين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت