4 ـ وقيل معناه: من كان في الدنيا ضالا، فهو في الآخرة أضل، لأنه لا تقبل توبته، واختار هذا الرأي أبو إسحاق الزجاج: وقال تأويله أنه إذا عمي الدنيا وقد عرّفه الله الهدى، وجعل له الى التوبة وصلة، فعمي عن رشده ولم يثب فهو في الآخرة أشد عمى، وأضل سبيلا، لأنه لا يجد طريقا الى الهداية (3) .
(1) الإسراء: 72.
(2) طه: 124.
(3) ظ: الطبرسي، مجمع البيان 3/ 430.
فكل هذه المعاني ـ كما رأيت ـ قد اشتملت على الإرادة المجازية وهو كاف للاستدلال على أصالة الاستعمال المجازي في القرآن.
«ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق، فقد خبط خبطا عظيما، ويهدف لما لا يخفى» (1) .
فهناك من أنكر المجاز في القرآن، وهناك من حمل جملة من الاستعمال الحقيقي على المجاز، وكلاهما قد تجاوز القصد، وجانب الاعتدال في المذهب.
وقد ناقش عبد القاهر الجرجاني (ت: 471 هـ) هؤلاء وهؤلاء: «وأقل ما كان ينبغي أن تعرفه الطائفة الأولى، وهم المنكرون للمجاز: إن التنزيل كما لم يقلب اللغة في أوضاعها المفردة عن أصولها، ولم يخرج الألفاظ عن دلالتها، كذلك لم يقض بتبديل عادات أهلها، ولم ينقلهم عن أساليبهم وطرقهم، ولم يمنعهم ما يتعارفونه من التشبيه والتمثيل والحذف والاتساع.
وكذلك كان من حق الطائفة الأخرى، أن تعلم أنه عزّ وجلّ لم يرض لنظم كتابه الذي سماه هدىً وشفاء، ونورا وضياء، وحياة تحيا بها القلوب، وروحا تنشرح عنه الصدور، ما هو عند القوم الذي خوطبوا به خلاف البيان، وفي حد الإغلاق، والبعد عن التبيان، وأنه تعالى لم يكن ليعجز بكتابه من طريق الإلباس والتعمية، كما يتعاطاه الملغز من الشعراء، والمحاجي من الناس، كيف وقد وصفوه بأنه: (عربيٌ مبين) (2) (3) .
وعبد القادر في هذا يشير الى الخلاف التقليدي في هذه المسألة، أهي واردة أم هي منتفية؟ كقضية لها بعدها الكلامي عند المتكلمين، فلقد رفض أهل الظاهر استعمال صيغ المجاز في القرآن، ووافقهم على هذا بعض الشافعية، وقسم من المالكية، وأبو مسلم الأصبهاني من المعتزلة (4) .
(1) عبد القاهر، أسرار البلاغة: 361.
(2) النحل: 103.
(3) عبد القاهر، أسرار البلاغة: 363.
(4) ظ: الزركشي، البرهان في علوم القرآن: 2/ 255.
وقد جاء هذا الرفض بحجة أن المجاز أخو الكذب، والقرآن منزّه عنه، فإن المتكلم لا يعدل اليه الا اذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله تعالى (1) .
وقد ثبت لدينا في ضوء ما تقدم، وفي ظلال ما سيأتي بيانه، أن المورد المجازي في الاستعمال القرآني لا تضيق في الحقيقة، أو عجز عن تسخيرها في تحقيق المعنى المراد، بل لغاية التحرر في الالفاظ، وإرادة المعاني الثانوية البكر، فيكون بذلك قد أضاف الى الحقيقية في الألفاظ إضاءة جديدة، والألفاظ هي هي، وهذا بعيد عن ملحظ الكذب في التقرير، أو العجز عن تسخير الحقيقة. ولو خلا منه القرآن لكان مجردا عن هذه الإضافات البيانية الاصيلة، وليس الأمر كذلك.
ويؤكد هذا الملحظ تعقيب الزركشي (ت: 794 هـ) على القول بمنع استعمال المجاز القرآني بقوله:
«وهذا باطل ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط شطر الحسن» (2) .
فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة اليه في بيان محسنات القرآن البلاغية، فهو والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن في الذائقة البيانية كما أشار الزركشي.
ويبدو ضعف هذا المذهب ـ وهو يرفض وجود المجاز في القرآن ـ حينما نشاهد حرص الجمهور والإمامية، وأغلب المعتزلة، ومن وافقهم من المتكلمين على إثبات وقوعه في القرآن (3) .
حقا إن ابن قتيبة (ت: 276 هـ) قد أشار منذ عهد مبكر الى مسألة
(1) ظ: السيوطي، الاتقان في علوم القرآن: 3/ 109.
(2) الزركشي، البرهان في علوم القرآن: 2/ 255.
(يُتْبَعُ)