(3) ظ في هذا الشأن: الجاحظ، الحيوان: 1/ 212. ابن جني، الخصائص: 2/ 447 ـ457. الرضي، تلخيص البيان في جملة نصوصه، المرتضى في الأمالي، الزمخشري، الكشاف في أغلب مواضعه.
الطعن على القرآن في هذه القضية، وناقشها مناقشة أدبية ونقدية بارعة، مؤيدا ذلك بموافقات اللسان العربي، ومستدلا على ما يراه بسنن القول عند العرب في سائر الاستعمالات حتى الساذجة البسيطة منها.
يقول ابن قتيبة: «وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز، فإنهم زعموا أنه كذب، لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل، وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم، وقلة إفهامهم، ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب الى غير الحيوان باطلا، كان أغلب كلامنا فاسدا، لأنا نقول: نبت البقل، طالت الشجرة، أينعت الثمرة، أقام الجبل، رخص السعر» (1) .
وقد أيد هذا المنحى عبد القاهر الجرجاني (ت: 471 هـ) بقوله: «وأنت ترى في نص القرآن ما جرى فيه اللفظ على إضافة الهلاك الى الريح مع استحالة أن تكون فاعلة، وذلك قوله عزّ وجلّ: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدّنيا كمثل ريح فيها صرّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته) (2) وأمثال ذلك كثير» (3) .
وقد أفرد المجاز بالتصنيف من الشافعية الشيخ عز الدين بن عبد السلام (ت: 660 هـ) في كتابه «الإشارة الى الإيجاز في بعض أنواع المجاز» (4) .
وهناك كتاب قديم ذكره ابن النديم في الفهرست يخص هذا الجزء من البحث اسمه (الرد على من نفى المجاز من القرآن) للحسن بن جعفر (5) . ولم أعثر فيما لدي من فهارس المخطوطات على إشارة الى مكان وجوده في مكتبات العالم، ولعله فقد فيما فقد من عيون التراث، ويبدوا أنه قد ألف لغرض إثبات وقوع المجاز في القرآن ردا على من نفى ذلك عنه، كما هو واضح من العنوان.
(1) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 99.
(2) آل عمران: 117.
(3) عبد القاهر، أسرار البلاغة: 361.
(4) طبع في استانبول، دار الطباعة العامرة، 1312 هـ.
(5) ابن النديم، الفهرست: 63، دار المعرفة، بيروت، 1978 م.
والحق أن المجاز واقع في القرآن باعتباره عنصرا أساسيا من عناصر بلاغته الإعجازية، كما سنشاهد هذا فيما بعد، عند التطبيق المجازي على عبارات القرآن الحكيم.
3 ـ تقسيم المجاز القرآني
لم يكن المجاز القرآني بمنأى عن الإطار العام لتقسيم المجاز في البيان العربي، شأنه بذلك شأن الأركان البلاغية الاخرى التي يقوم على أساسها الفن القولي، فقد استقطب القرآن الكريم شتى صنوفها ومختلف تقسيماتها، وحفلت سوره وآياته بأبرز ملامحها وأصدق مظاهرها، حتى عاد تقسيمها خاضعا لأحكام القرآن البلاغية، ولم يكن القرآن خاضعا لتلك التقسيمات في حال من الأحوال، لأنها مستمدة من هديه، وسائرة بركاب مسيرته البيانية المعجزة، وهكذا بالنسبة للمجاز فهو عند البلاغيين نوعان، لأنه في القرآن نوعان: مجاز لغوي ومجاز عقلي، بغض النظر عن التفريعات الأخرى التي لا تتعدى حدود التقسيم العام، أو هي جزئيات تابعة لكلي المجاز باعتباره عقليا أو لغويا.
هناك بعض الإضافات والمسميات عند القدامى تجاوزت هذا التحديد في نهجه البلاغي، نعرض إليه ونردّه الى أصوله:
هناك مجاز الحذف عند سيبويه (ت: 180 هـ) وعند الفراء (ت: 207 هـ) اورداه على سبيل الاتساع في الكلام كأخذ المضاف اليه إعراب المضاف (1) .
وقد مثلوا له بقوله تعالى: (وسئل القرية) (2) . وقد أضاف عز الدين إبن عبد السلام (ت: 660 هـ) نوعين للمجاز سمّى الأول مجاز التشبيه، وهو التشبيه المحذوف الأداة، وأوضح رأيه هذا بقوله:
«العرب إذا شبهوا جرما بجرم، أو معنى بمعنى، أو معنى بجرم، فإن أتوا بأداة التشبيه كان ذلك تشبيها حقيقيا، وإن أسقطوا أداة التشبيه كان
(1) ظ: سيبويه، الكتاب: 1/ 212. الفراء، معاني القرآن 1/ 363.
(2) يوسف: 82.
ذلك تشبيها مجازيا» (1) .
(يُتْبَعُ)