فإن الإخراج حقيقي، والأرض حقيقة، ولا مجاز بهما وحدهما، ولكن المجاز العقلي مستنبط من أقترانهما، وبإسناد الإخراج الى الأرض، لأن المخرج حقيقة هو الله تعالى، وليس للأرض قابلية الإخراج، فلا إرادة لها، وفاقد الشيء لا يعطيه، فلما أسند لها الإخراج علمنا ضرورة بمجازية الأستعمال إسنادا بحكم العقل.
ب ـ الطرفان مجازيان: نحو قوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم. . .) (2) .
فالربح هنا مجازي، ولا يراد به الزيادة على رأس المال في بيع البضائع، والتجارة هنا مجازية، فلا يراد بها المعاملات السوقية، وإنما المراد بالربح تحقيق المعنى المجازي منه بالفائدة وعدم خسران الأعمار، والمراد بالتجارة المعنى المجازي منها بالإنابة وصالح الأعمل.
ونظير هذا المجاز العقلي في طرفيه المجازيين كثير في القرآن الكريم، ومن أبرز مظاهره في مثالين بآية واحدة قوله تعالى: (أُولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين *) (3) .
فالشراء هنا مجازي، ولا يراد به إجراء العقد في إنجاز صفقات البيع، والضلالة وإن كانت حقيقة، إلا أنها ليس مما يشترى بالهدى، ولا مما يباع به، وكلا الإسنادين مجازي، وبقية الآية تقدم فيها الكلام.
وكذلك قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم. . .) (4) .
ج ـ الطرفان مختلفان كقوله تعالى: (تؤتي أُكلها كلّ حين) (5) .
(1) الزلزلة: 2.
(2) (3) البقرة: 16.
(4) البقرة: 90.
(5) إبراهيم: 25.
فإن نسبة إيتاء الأكل الى الشجرة مجازية، لأن المؤتي هو الله تعالى، ولكن الأكل هنا حقيقة، وهو ثمرة الشجرة فكان أحد الطرفين مجازيا والثاني حقيقيا.
وعليه يحمل قوله تعالى في نموذجين مختلفين بآية واحدة، وهو قوله تعالى:
(بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون *) (1) .
(فكسب) و (أحاطت) كلاهما مجازان، و (سيئة) و (خطيئة) كلاهما حقيقيان؛ ونسبة الكسب الى الإنسان في السيئات مجازية، لأن السيئات ليس مما يكتسب به الإنسان حقيقة، ولا هي قابلة لهذا الإعتبار، إلا أنها استعملت ونسبت عقليا بحكم الإسناد، وكأن صاحبها قد عمل فكان كسبه خسرانا لأن نتيجة هذا الكسب هو السيئات، وكذلك الحال بالنسبة لإسناد الإحاطة بالخطيئة، فالإحاطة تتطلب مكانا ومحلا يمكن الأستدارة عليه كإحاطة الخاتم بالأصبع، أو السوار باليد، أو السجن بالسجين، وهكذا، فكان الأول مجازا والثاني حقيقة، واكتشف المجاز العقلي من اقتران الطرفين.
3 ـ قرينة المجاز العقلي في القرآن
وانتشار المجاز العقلي في القرآن يوحي بأصالة كنهه البلاغي دون ريب في نص هو أرقى النصوص العربية على الإطلاق، وهو وإن كان متعلقا بالإسناد الجملي لا بألفاظ مجردة، ولكن لا بد من قرينة تدلنا على إرادة الاستعمال المجازي دون الحقيقي، وقد قسموا هذه القرينة الدالة على ذلك الى:
1 ـ قرينة لفظية، وتستفاد من إطلاق اللفظ فتدرك بها موضع المجاز باعتبارات لفظية تنطق بها الكلمات، حتى أنك بعد التحقيق لا يخامرك شك في إرادة المجاز، وأمثلة ذلك كثيرة في القرآن الكريم:
(1) البقرة: 81.
أ ـ قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) (1) .
لقد عبر سبحانه وتعالى عن إرادته في الكينونة المطلقة، على سبيل المجاز بـ «قيل» وإنما هي أمر كائن لا محالة، وكانت قرينة هذا المجاز خطاب من لا يعقل، وهو الجماد الذي لا يخاطب «يا أرض» و «يا سماء» إذ هو ليس مما يعي الخطاب، أو يدرك الإمثال، فكان ذلك قرينة لفظية في دلالة هذا المجاز العقلي.
ولك أن تقول أن الله قادر على أن يخاطب الجماد، ويجيب ذلك الجماد، فيكون ذلك على سبيل الحقيقة، وحتى لو حصل هذا على سبيل الإعجاز، فلا مانع منه، ويبقى المدرك مجازيا لأنه في العموم خطاب لمن لا يعقل ولا يجيب ولا يسمع ولا يتكلم، وإن سمع وأجاب وأمتثل على سبيل الإعجاز.
(يُتْبَعُ)