ب ـ وفي قوله تعالى: (فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتّخذت عليه أجرا) (2) .
يتجلى المجاز العقلي مستشرفا إذ الجدار ليس كائنا ذا إرادة، ولا هو بمريد شأن من يريد في الفعل أو الترك، ولكنه البعد المجازي الذي وهب الحياة للجماد، وأشاع الحسّ في الكائنات، وكذلك التعبير الموحي الذي أضفى صفة من يصدر عنه الفعل على من لا يصدر عنه الفعل، وحقيقة من يريد على من لا يريد في الأصل. وكانت قرينة هذا المجاز إرادة هذا الجماد وهو لا يريد.
وتلك طريقة العرب المثلى في هذا المنظار، وأنشدوا للحارثي: (3)
يرد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل
فإرادة الرمح ورغبته هنا كإرادة الجدار في الآية سواء بسواء.
قال أبو عبيدة: «وليس للحائط إرادة، ولا للموات، ولكنه إذا كان
(1) هود: 44.
(2) الكهف: 77.
(3) ظ: أبو عبيدة، مجاز القرآن: 1/ 410، ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 133.
في هذه الحال من ربه فهو إرادته» (1) .
وأنشد أبو زكريا الفراء (2) :
إن دهرا يلف شملي بسلمى * لزمان يهم بالإحسان
فأنت ترى في هذه النماذج الإرادة والرغبة للرمح، والهم بالإحسان للزمان، كما شاهدت في الآية إرادة الجدار.
ولم تخرج هذه الألفاظ جميعها عن حقيقتها الأولى في اللغة، ولكنها خرجت الى المجاز في الإسناد، والقرينة فيها جميعا هي التي أفادت مجازا عقليا دلت عليه قرينة مقالية، لأن الجدار في واقع الحال لا يريد، والرمح لا يريد ولا يرغب، والزمان لا يهم بالإحسان واقعا، وإن هم به مجازا.
ج ـ وفي هذا السياق يجب أن نلاحظ ما لاحظه ابن قتيبة (ت: 276 هـ) من ذي قبل، من أن هذه الأفعال ونظائرها ـ ونعني بها أفعال المجاز كما في الأمثلة السابقة ـ أفعال لا تخرج منها المصادر، ولا تؤكد بالتكرار، فلا تقول: أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة، فليس هذا من كلام العرب، فإذا جاء التوكيد بالمصدر علمت أن ذلك مبني على الحقيقة، والله تعالى يقول: (وكلم الله موسى تكليما *) (3) فوكد بالمصدر معنى الكلام، ونفى عنه المجاز. وقال تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون *) (4) فوكد القول بالتكرار، ووكد المعنى بإنما، فكان ذلك على سبيل الحقيقة لا المجاز (5) .
وهكذا الحال فيما سبق مما أنشدوا، فلا يقال: «أراد الرمح صدر أبي براء إرادة قوية، ولا همّ الزمان بالإحسان هما موكدا.
(1) أبو عبيدة، مجاز القرآن: 1/ 410.
(2) ظ: العسكري، كتاب الصناعتين: 212، والبيت غير منسوب.
(3) النساء: 164.
(4) النحل: 40.
(5) ظ: ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 111.
2 ـ قرينة غير لفظية، وتستفاد من الجملة باستحالة صدور ذلك الشيء من فاعله عقلا، وإنما يكون من أمره، وفي نطاق مقدوره ودائرته، وقد ورد ذلك في القرآن العظيم بأكثر من موضع، وتكرر وجوده في مختلف الجزئيات بأكبر من ملحظ:
أ ـ قوله تعالى: (وجاء ربّك والملك صفا صفا *) (1) .
فالمجيء هنا لأمر الله وقدرته وقوته وإرادته، وليس لذاته القدسية، لأنه لا يوصف بالذات المتنقلة: القادمة او الذاهبة او المتحركة. تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وإنما هذا على سبيل من قوله تعالى: (فإذا جآء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون) (2) .
وقوله تعالى: (يا إبراهيم أعرض عن هذا إنّه قد جاء أمر ربك. . .) (3) وقوله تعالى: (هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربّك) (4) .
(يُتْبَعُ)