ـ [أنس بن عبد الله] ــــــــ [13 - 03 - 2008, 03:26 م] ـ
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خير المرسلين و على آله و أصحابه الطيبين الطاهرين , أما بعد:
لا يشك عاقل بما يحتويه كلام الله -عزّ و جلّ- من بيان و إعجاز لغوي , و الأمثلة على ذلك كثير , و قد امتلأت بها صفحات هذا المنتدى المبارك , و كما أن القرآن الكريم مليئٌ بمثل هذه الأسرار اللغوية فإن الحديث النبوي قد امتلأ بها كذلك , و لكني لاحظت أن الكثير منا قد التفت إلى الأسرار اللغوية في القرآن الكريم حتى امتلأت بها صفحات المنتدى كما بينتُ , فخطر ببالي أن نلتفت أيضًا لهذه الأسرا و الجمايات في الحديث النبوي و نوليها شيئًا من الإهتمام , لذا جاء هذا الموضوع.
و هو عبارة عن هذه النافذة التي سأطل من خلالها على أحاديث المصطفى -صلى الله عليه و سلم- من جهةٍ بلاغية بيانيه نوعا ما , ففي كل مرة سأطل - قدر المستطاع- بحديث نبوي شريف مبينًا ما فيه من البلاغة و الفصاحة التي امتلكها رسولنا الكريم , معتمدًا في ذلك على كتاب: (التصوير الفني في الحديث النبوي) للدكتور محمد الصباغ. (( بتصرف ) )
فالله أسأل أن يعينني على ذلك و ييسره لي و أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم و لخدمة هذا الدين القويم ,,,
كما يسعدني و يشرفني اسهامكم و مشاركتكم في هذا الموضوع ...
ـ [أنس بن عبد الله] ــــــــ [13 - 03 - 2008, 03:29 م] ـ
000099عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
(( إن الله عزّ و جلّ لا ينام و لا ينبغي له أن ينام , يخفض القسط و يرفعه , يُرفع له عمل الليل بالنهار و عمل النهار بالليل , حجابه النور , لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) ).
000000فقد جاء هذا الحديث في وصف الله تعالى , الذي لا يستطيع أن يدرك كنهه أحد (( ليس كمثله شيء ) )و لا يضاهيه أحد (( يدرك الأبصار و لا تدركه الأبصار ) ).
فنحن إذًا أمام نص عظيم يورد للخالق صفات خاصة لا تتوافر في أحد من مخلوقاته , فهو - عزّ و جلّ - لا ينام و لا ينبغي له أن ينام لأن النوم دليل على الضعف و التعب , فما ينبغي له أن ينام و هو الإله الواحد القهار.
ثم يبحر بنا المصطفى عليه الصلاة و السلام في بحر من البيان و ذلك فيما يسميه علاما البلاغة بالمجاز المرسل و علاقته الآليه و ذلك في قوله: (يخفض القسط) فالقسط هو الميزان , و لكن المراد به هنا العدل , و لا شك أنه بالميزان يقع العدل , فالميزان إذًا آله يتحقق العدل بواسطتها , و هنا تتجلى لنا صورة رائعة هي:
أنه هناك ميزان لا نعلم حقيقته لأنه من عالم الغيب , و هذا الميزان توزن فيه أعمال العباد فيقع العدل و لا تظلم نفسٌ شيئا و لو كان مثقال ذرة.
و يمضي الحديث ليقرر لنا أن أعمال الناس تبلغ إلى الله فورا , و لكن هذا المعنى عُرض لنا بصورة رائعة و هي صورة الرفع: (يُرفع له عمل الليل بالنهار و عمل النهار بالليل) فالحياة ليست عبثًا و ما خُلق الناس هملًا , فما يعملونه يصل إلى الله فورًا و لا يخفى عليه شيء مما يعملون.
ثم يستمر المصطفى صلى الله عليه و آله في عرض هذا الحديث بصورة شيقة , إذ يقول (و حجابه النور , لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) , و المفروض أن الحجاب يكون ظلامًا كثيفًا لا يبين ما وراءه , لكن أن يكون هذا الحجاب نورًا فهو أمر غريب في التصوير , و هذا النور يشبه أن يكون نارًا فهو يحرق من يقترب منه لذا كان حجابًا مانعًا لا تستطيع المخلوقات بتركيبها الدنيوي احتمال التعرض لرؤيته سبحانه و تعالى , فلو كشف حجاب النور لأحرقت المخلوقاتِ سبحاتُ وجهه تعالى.
سُبحات وجهه: بضم السين أي جلالته و عظمته.
لقد استطاع هذا الحديث رغم كلماته المحدودة أن يعبر عن موضوع في غاية الدقة يتعلق بذات الله سبحانه و تعالى , و أن يستخدم الصور الحسية بأسلوب رائع يحقق الغرض الديني على أكمل وجه.
ـ [مايا] ــــــــ [13 - 03 - 2008, 06:05 م] ـ
أنت رائع دومًا
ـ [أنس بن عبد الله] ــــــــ [14 - 03 - 2008, 04:35 م] ـ
000066عن أنس: r قال: قال رسول الله:=:
(( لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه و عليها طعامه و شرابه , فأيس منها , فأتى شجرةً فاضطجع في ظلها و قد أيس من راحلته , فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده , فأخذ بخطامها ثم قال: اللهم أنت عبدي و أنا ربك.
أخطأ من شدة الفرح. ))
000000 هذه الصورة من الصور الرائعة التي تقرر رحمة الله بعباده و حبه لهم بل و فرحه الشديد عند توبتهم , فلك أن تتأمل أخي هذه القصة , و تتخيل نفسك صاحبها:
هذا رجل يمشي في الصحراء , فأدركه التعب و هدّ خطاه المسير و كاد يقتله الظمأ , فقعد تحت ظل شجرة يستريح , ثم تفاجأ بفقد راحلته و كل ما عليها من متاع , فماذا تراه يفعل في هذه الصحراء بلا زاد و لا متاع , فلم يجد بدًا من الجلوس تحت هذه الشجرة منتظرًا لحظة الهلاك , ثم يفاجأ مرة أخرى عندما يرفع رأسه و يجد راحلته أمامه و عليها زاده و متاعه , فهبّ مسرعًا ليأخذ بخطامها و أراد أن يشكر ربه بعد أن وهبه الحياة مرة أخرى , فقال: اللهم أنت عبدي و أنا ربك , أخطأ من شدة الفرح -ولو قالها متيقنًا لزجت به في النار- و لكنه قالها خاطئًا غير متعمد , فالله تعالى يفرح بهذه التوبة فما بالك بأجر عمل يفرح المولى عزّ و جلّ.
أراد الحبيب:= أن ينقل هذا المشهد لأصحابه , فمن بلاغته:= اختار هذه القصة فهي تلامس أفئدتهم فهم أهل بادية و خيل و جمال فكان حريٌ بهذه الصورة أن ترسخ في عقول أصحابه لأنها لامست واقعهم.
فكان لهذه القصة منزلة كبيرة من التأثير في نفوس العرب أبناء البادية , لأنها حدثتهم عن أمر غيبي- و هو فرح الله تعالى- بأسلوب هم أكثر الناس إدراكًا له لأنهم يعيشون في هذه الأوساط و ربما تعرضت لهم مثل هذه المواقف.
(يُتْبَعُ)